آخر الأخبار حياتناثقافةحياتنا

في ذكرى رياض الصالح: الشاعر الوسيم و”التراكتور المعطوب”

بعد مرور 40 عاما على رحيل الشاعر رياض الصالح حسين تستعيد “الغد” نشر هذه المادة مجددا. 

سارة زايد– ولأنَّ روحي دائمًا تنسجِم مع من خذلتهم الحياة، اخترتُ أن أُحلِّل قصيدة “دخان” لرياض الصالح حسين، وهو شاعر سوري ولد عام ١٩٥٤ في جنوبي سورية، في درعا تحديدًا.

عاش حسين حياةً صعبة منذ أن كان طفلاً وأجبِرَ على تركِ المدرسة؛ بسبب الألم والمرض الذي ألمَّ به، اذ اضطرَّ أن يُجري عمليةً جراحيةً خطرة فقد على إثرها حاسة السمع بشكل كامل والنطق بشكل جزئي، وأصبح يُكابِد لكي يُسمَع صوته ويتفاعل مع من حوله ويُفهَم عليه، أصبح كالطفل الذي بدأ بتعلُّم الكلام حديثًا، وعندها أصيب بالإحباط وبدأت رحلاته مع كتب الأدب العالمي التي جعلت منه بعد ذلك كاتبًا استثنائيًا، هو الذي قال عن نفسه ذات مرة: “أنا رجلٌ وسيم، طولي ١٦٧ سم، أنا تراكتور معطوب”.

عنوان القصيدة هو المساحة الشخصية للشاعر، لذا نرى أن “دخان” هو استجابة استباقية لتوقعات القارئ، فرياض الصالح يختزل قصيدته بالعنوان، ويختزل حياته بعنوان قصيدته أيضًا، هذا الدخان الذي ينتجه قلبه فيصنع غشاءً بينه وبين لذة الحياة، فلا يرى منها إلّا العُسرة والمشقَّة.

في قصيدة “دخان”، أرادَ مِنَّا رياض صالح أن نعي حجم معاناته ووحدته، والغربة التي يشعر بها حتى وإن كان بين أحبائه، حياته الرتيبة، والضيق النفسي الذي يزحف خفيةً إليه والوحشة التي أصبحت أسلوب حياته، أرادنا كذلك وبشكلٍ ضمني أن ندرك حقيقةً واحدةً: أنَّ اعتزازه الوحيد في النهاية هو كتاباته، فبالنسبة له يمكن للجميع أن يتكلّم، لكن لا يمكن للجميع أن يكتُب.

الشاعر الراحل والآنسة "سين"
الشاعر الراحل والآنسة “سين”

يقول رياض صالح ما يريد أن يقوله لنا بقلبٍِ مليء بالضيق من هذا العالم، وبقلبٍ ساخط، بكل أسى ووحدة وكأنه غريب في المنفى، ولكن هذه المرّة في منفى وطنه وبيته، هذه البقعة من العالم التي خذلته وحرمته من صوته ونطقه وتعليمه وحياته الغنية بالأحلام، لكن بقيت ملكة الكتابة هي الهبة الوحيدة الثابتة التي تحصَّن بها.

يعبِّر عن كل هذه الهموم بكلمات صريحة لا تحتمل اللبس، بشعرٍ بسيط وأسلوب واضح متماسك يحكي عن مرارته وحرقته بكلمات بإمكانها أن تمس روحنا دون مجهود: “مستاء، حزين، ومكتئب” وأحيانًا بكلمات غليظة قاسية “قنابل وقتلى”. مستعينًا أيضًا باللون الأسود رمزًا لخيبة ﺍﻷمل.

شفافة هي كلمات رياض الصالح، لا نحتاج إلى البحث المطوَّل في معانيها، وفي الآن ذاته، نستطيع أن نستشف هذا العمق في قصائده التي كُتِبت بخلطة جميلة من التكثيف الصوري والتشبيه والرموز ودلالتها وكذلك التجسيد الصريح في قصيدة “دخان”.

كئيبًا ومنفتحًا كالبحر

أقف لأحدِّثكم عن البحر

مستاءً وحزينًا من الدنيا

أقف لأحدِّثكم عن الدنيا

متماسكًا وصلبًا و مستمرًّا كالنهر

أقف لأحدِّثكم عن النهر

يريد رياض الصالح أن يعقد معنا في أوّل القصيدة اتفاقًا واضحًا مفاده أنه مهما كان مستاءً من وضعه والحال التي آلَ إليها، إلا أنه ما زال متحمّسًا للشعر والحريّة ومتعطشًا للفرح كذلك.

من يهوى شيئًا يتحدَّث عنه دائمًا ومن يتطيَّر من شيء ما أو يشعر بالضيق نحوه يتجنب الحديث عنه، لكن صالح ما زال لديه الرغبة في التحدث عن الدنيا وما يزيِّنها من طبيعة، حتّى لو خذلته الحياة ما زالَ يرى نفسه شخصًا جسورًا متماسكًا تمامًا كما النهر، كذلك يرى الرياض صالح في البحر طوقًا للحرية ويراه تارةً صديقه الذي يهمس في رأسه فيبثه الهموم.

عندما يصبح للنافذة عينان تريان يأسي

وللجدران أصابع تتحسَّس أضلاعي

وللأبواب ألسنة تتكلَّم عنِّي

وعندما يصبح للماء طعم الماء

وللهواء نكهة الهواء

وللحبر الأسود هذا رائحة الحبر

وعندما تهيّئ المطابع الأناشيد للقرَّاء بدلاً من الحبوب المنوِّمة

و تهيّئ الحقول القمح بدلاً من الأفيون وتهيّئ المصانع القمصان بدلاً من القنابل…

سأقف، أيضًا، سأقف لأحدِّثكم عنِّي 

قصائد للشاعر الصالح
قصائد للشاعر الصالح كما نشرت سابقا

كان رياض الصالح شخصًا منغلقًا على ذاته، يكره الفضوليين ويكره أن يتكلّم عن نفسه، كان إذا ركِب القطار يقطع تذكرتين اثنتين خشية أن يجلس إلى جانبه شخص آخر فيدرك إعاقة رياض السمعية ويبدأ بسؤاله عن سببها.

وفي هذه الأبيات، يُعطي رياض صالح الأشياء والجمادات صفات بشرية “التجسيد”، فيحوّل أحاسيسه إلى أشياء مادية، كأنها شخص، تسمع وتستجيب.

بعد مرضه أصبح يكتب في قصائده عن الجمادات، مانحًا إيَّاها الحياة وكأنها صديقته الأقرب وكأنها هي وحدها من يتفهمه، فنحن البشر الطبيعيين عجزنا عن ذلك، فأعلن رياض صالح عن تنكُّره لنا، وبدورنا نحن استسلمنا.

تُظهِر هذه الأبيات مدى استحالة تكلُّم رياض الصالح عن نفسه بشكل واضح حتى في شعره، تراه يكمش الكلمات التي تخص روحه فلا يعطينا منها إلّا القليل، فإن كانت النافذة تستطيع أن تشعر بحزنه، والجدران باستطاعتها أن تتحسَّس عجزه الجسدي، والأبواب التكلم بالنيابة عن لسانه، فنحن نفسنا كبشر لا نستطيع ذلك.

وفي حياةٍ أُخرى، عندما تستطيع أن تنطق هذه الجمادات، وعندما يتوقّف العالم عن خوض حروبه البريّة، ربّما في هذه الحالة فقط سيكلمنا عن نفسه ولو قليلاً، وربما في هذه الحالة فقط سنفهم كل ما مرَّ به، فهذه هي حال الشاعر الضائع والمنفي في وطنه، يبقى متمرِّدًا في صمته وغموضه.

لأحدِّثكم عن الحبّ الذي يغتال المراثي

عن المراثي التي كانت تفتح دفترها الملكي

لتسجِّل أسماءكم في قائمة القتلى

عن القتلى المتشبِّثين بالضمَّاد والميكرو كروم

الذي لم يأتِ

أحبَّ رياض الصالح فتاةً واحدةً في حياته أسماها دائمًا في قصائده الآنسة “س”، وقيل إن اسمها الحقيقي سمر، كانت انعكاس وجهه الحقيقي في شعره، كانت قصيدته وإلهامه وكانت الوداع السريع.

بالرغم من المدة القصيرة التي أمضاها معها بسبب تدهور حالته الصحية ووفاته، إلّا أنها كانت حبه الأوحد والأعظم.

في هذه الأبيات، يمَرِّر لنا سريعًا اعترافًا ضمنيًا بحبه للآنسة “س”، هذا الحب الذي كان تحديًا للموت أيضًا، إذ استطاع أن يدمّره فلا تبقى أي فائدة تذكر من كتابة أي رثاء، فلا أموات ولا رثاء في وجود الحب؛ فلهفته للحياة والعيش، كلهفة المرثية لموت الأشخاص، فلولا الموت لما عاشت المرثية.

يُقتل الأشخاص في الحروب ويصابون بجراح المعارك، ينتظرون كثيرًا إلى أن تصلهم أدويتهم لعلاج ندبهم، لا تأتي المعونة الطبية فيموتون متأثرين بجراحهم، إلّا العاشق، تلتئم جراحه سريعًا.

وسأقف، أيضًا، سأقف

لأحدِّثكم عنِّي

مثلما يتحدَّث الديكتاتور عن سجونه

والمليونير عن ملايينه

والطفل عن أمِّه

واللصّ عن مفاتيحه

والعالم عن حكَّامه

سأحدِّثكم بحبّ، بحبّ، بحبّ

بعد أن أشعل سيجارة!.

تكثُر الصور التشبيهية في أبياته الأخيرة، وينسجم الصالح مع فكرة “التجسيد” التي استخدمها في مطلع قصيدته، يُصر حتى الآن على الصمت، يعطينا آمالاً كثيرة بأننا على بعد خطوات قليلة من قراءتنا لقصته، يسحب منَّا مسرعًا هذا الأمل ويخبرنا فقط عن الكيفية التي سيتحدث بها عن نفسه إن تحققت الشروط التعجيزية كافة في أبياته الأولى.

خبر وفاة الشاعر الصالح
خبر وفاة الشاعر الصالح كما نشر حينها

في عالم آخر، في عالم أقل قسوةً ووحشية سيقف رياض الصالح ليحدثنا عن نفسه متفاخرًا، كالديكتاتور الذي يفخر بعدد سجّانه، كالمليونير الذي يفخر بأمواله الطائلة..

يتردّد هنا رياض الصالح باختيار وجهه الذي سيحدثنا به حينما تشاء الظروف، ويُظهر رؤيته المتناقضة المنطقية حول العالم، فهو لا يستطيع أن يكرهه تمامًا لأنه أوجَد فيه صوتًا لكلماته ولأنه حظي بحبه الأوحد الآنسة “س”

سيتصرف بشكل طبيعي، سيكون لئيمًا وقاسيًا عندما يحكي لنا عن المرض والهزال الذي بتر جزءًا من روحه وسيكون كالطفل الصغير حين يُحدثنا عن حبه الواضح كالسماء بكل صراحة وشفافية، فهو من قال عن نفسه يومًا: “بسيط كالماء، واضح كطلقة مسدس”.

تنتهي قصيدة “دخان”، ويصدُق الشاعر السوري خلف علي خلف، حين قال “سيأتي اليوم الذي يصبح فيه تدقيق معلومات عن رياض الصالح حسين أمراً ليس هيناً”.

توفي الصالح في مستشفى المواساة بدمشق عصر يوم 21 تشرين الثاني 1982 عن عمر يناهز 28 عاماً لأسباب غامضة، لأسباب ربما نجهلها، ولكنها نكلت بروح الشاعر إلى أن قبضتها.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock