آخر الأخبارالسلايدر الرئيسيالغد الاردني

في ذكرى سيول البحر الميت.. أردنيون غارقون على اليابسة

سارة زايد- “الموت لا يوجع الموتى.. الموت يوجع الأحياء”، هكذا قال محمود درويش ذات حزن، فكثيرة هي الأزمات التي كتب علينا ألا نشفى من تبعاتها الأليمة، وكلما حلت ذكرى وقوعها ذكرتنا بثقوب القلب وأوهانه. وليس أدل على ذلك من حادث سيول البحر الميت (2018)، الذي يُصادف ذكرى وقوعه، اليوم، إذ راح ضحيته 21 شخصاً، 19 منهم من الأطفال.

أدهم، لينا، ودانا.. تتلاقى مشاعر هؤلاء فيما يخص كارثة البحر الميت، فجميعهم لا يعرفون أحداً من الضحايا، ومنهم من لم يتواجد في مكان الواقعة أساساً، لكن الغصة كانت مسكناً لقلوبهم كما كل الأردنيين.

“أكره الشتاء.. أتطير من تشرين الأول”

“لا تجمعني صلة قرابة مع عائلات الضحايا، ولست أباً لأقول إن فقدان الولد يهشم الروح”. لم يكن الشاب الأردني أدهم شاهد عيان مباشر على الحادثة، ولم يتأثر يوماً بما يجري على الضفة المقابلة من عالمه وفقاً لقوله، ولطالما مازحته أمه قائلة: من سيتزوج من رجل قاسِ بعيون جافة لا يعرف طعماً لدموعه؟

يتابع أدهم: الآن وبعد مضي أربع سنوات على كارثة البحر الميت، أشعر كما لو أني أحمل أسى العالم على كتفي، وهو ثقلٌ جسدي يأبى مفارقتي ويغرس عميقاً في جلدي، يصعب شرحه ووضعه في قالب من الكلمات وإلا سيُبتَذل.

ويضيف الشاب: ما زلت أخشى الشتاء، أتطير من تشرين الأول تحديداً، أكره الطقس المتقلب والأمطار المباغتة، وكلما اجتمعت مع أصدقائي لنخرج في نزهة ويكون البحر الميت من ضمن المقترحات، أشعر بكربة في قلبي.

“نكبة جمعية”

“لا يمكن تجاوز حادثة البحر الميت، فقد كانت نكبة جمعية واستثنائية، أتت على حين غدر وغرة وطالت أناساً آمنين ومبتهجين”. تقول لينا ذات الـ26 عاماً.

وتضيف الشابة: إن فكرة الرحلة المدرسية تبعث على الشعور بالسكينة والمسرة، فلطالما ذهبنا في طفولتنا إلى رحلات وعدنا منها آمنين وحملنا معنا ذكريات وأوقات لا تنسى، فهي الخطوة الأولى نحو تجريب الحرية والاستقلال عن العائلة والشعور بالنضج.

وتتابع: ما يجعل الأمر أشد قساوةً، هو أن أهالي الشهداء لم يشعروا بالإنصاف، فهناك أطراف مقصرة لم يتم محاسبتها أو حتى معرفتها بعد.

“لما شخص يتحاسب على جريمته، وقتها فقط بتبرد نيران
أهالي الضحايا”. تؤكد لينا.

“مصاب وطني”

أما دانا فكانت من أوائل الصحفيين الذين تواجدوا في مكان الحادثة، حيث تتذكر بدقة مجريات ذلك اليوم وتقول: هناك قصص ترافق الصحفي وتذهب معه إلى بيته، حادثة البحر الميت واحدة من تلك القصص.

وتستطرد: كان يوماً اعتيادياً، استيقظت لتوي عندما تلقيت الخبر، لم أكن دانا الصحفية التي ترغب بأخذ “سبق صحفي”، بل ترجمتُ حرفياً تعبير أن “تدور في الشوارع” من فرط حزنك وضياعك.

تضيف دانا: وصلنا البحر الميت وكان الطريق المؤدي إلى الحادثة مغلقاً، حينها أصبحت أكثر غضباً وحزناً، فكل ما ابتغيته هو تقديم المساعدة.

وتتابع الصحفية: حينها قررنا الذهاب إلى مدرسة الضحايا، ولم أمسك بيدي قلماً وورقة، ولم أكتب خبراً، إذ كنت بمصاب كبير لدرجة أني عجزت عن الكتابة كما لو أن يدي شلت.

تؤكد دانا أن حادثة البحر الميت هي “مصاب وطني”، كما تستحضر مشهد تلقي خبر وفاة المعلمة راية المجالي، حيث كانت هي وزميلها بجوار زوجها.

وتختم حديثها: لم أستطع كتابة شيء عن الفاجعة، لكن في السنوية الأولى لحدوثها، أتيحت لي فرصة الاجتماع بعائلات الشهداء، وشعرت يومها كأننا أقمنا بيت عزاء جديد!

التعاطف هو التماهي مع الآخر

يرى مختصو علم النفس أن مشاطرة الأحزان مع ذوي ضحايا حادثة البحر الميت هو تقارب أخلاقي وشعور عفوي دافئ يتمثل في القدرة على التماهي مع الآخر ووضع الذات في جلده، مع الحفاظ على وعي المرء بهويته.

ووفقاً لعلماء النفس، لا يسمح لنا التعاطف بمحاكاة الحالات العاطفية للآخرين داخلياً فحسب، ولكن حالاتهم العقلية المعرفية أيضاً. كما يمكن أن يشير التعاطف إلى قدرتنا على اتخاذ المنظور المعرفي للآخرين، مما يساعدنا على فهم تجاربهم ونواياهم واحتياجاتهم.

واقعية التعافي

وفي السياق ذاته، يؤكد باحثون نفسيون أهمية أن تكون واقعياً بشأن تعافيك من محاكاتك الشعورية للآخرين، وربما لن تكون عمليةً سهلة أو قصيرة الأجل وقد تواجه العديد من التحديات، لكن إدراكك أنه لا يمكنك التحكم في كل شيء يمكن أن يساعد في تخفيف وطأة الحزن، كما أن تحديد أطر زمنية واقعية لعنائك يمكن أن يزيد أملك في عودة الحياة إلى طبيعتها مرة أخرى.

من جانبه يرى استشاري الطب النفسي والإدمان، الدكتور عبدالرحمن مزهر أن الإنسان بطبيعته اجتماعي يؤثر ويتأثر بالمحيط، كما أن شعوره بأي خطر كان قريباً أو بعيداً، يعطي الدماغ إشارة بعدم الأمان مما يجعله متحفزاً دائما ليشعر بالتوتر والخوف المستمر لينعكس ذلك على حياته اليومية في جميع نواحيها.

أما فيما يخص جزئية التشافي، فيرى مزهر أن الطرق المثلى لتحقيقها هي تقبل الواقعة على ما هي بغض النظر عن تفاصيلها، بالإضافة إلى التكيف مع ما حصل، مؤكداً أن أبسط الطرق للتعامل مع الجروح هو عدم نكيها.

وهو ما يشير إليه أيضاً الدكتور النفسي علاء الزايد، حيث ينوه إلى ضرورة التأقلم والقبول لما حصل.

“لا مانع من الحزن بشرط ألا يؤثر على الإنتاجية، حينها سيصبح التعاطف مرضاً بحاجة لعلاج ومتابعة مع أخصائيين نفسيين”، يؤكد الزايد.

اقرأ أيضاً:

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock