أفكار ومواقفثقافة

في ذكرى لمعة بسيسو الرزاز

عمر الرزاز*

أتذكر الوالدة لمعة بسيسو الرزاز في سنويتها العاشرة، زوجة منيف الرزاز، ووالدة مؤنس وعمر وزينة. لا يمكن ان نكون موضوعيين حول أمهاتنا: كلهن استثنائيات، كلهن بطلات، كلهن جنديات مجهولات. وهكذا لمعة.

لمعة، هي الإنسانة التي تحررت من منطق الملكية. كل مقتنياتها المادية في الحياة كانت تتسع في حقيبة متوسطة الحجم. كانت تحب الجمال ولكن لا تأبه بالمادة. تحرص على تدبير الأمور المالية، ليس كهدف وإنما كوسيلة لتمكن منيف والأسرة من الانطلاق نحو الحياة.

كان منيف حالماً، ولمعة آمنت بحلم منيف. الفرق بينهما ان لمعة كانت تعرف ان هذا الحلم طوباوي وصعب التحقيق. ومع ذلك اثرت ان تمضي مع منيف بحلمه. كتبت في احدى رسائلها لمؤنس تصف منيف بأنه:

“ذلك البدوي القلق الذي سمع نداء الحياة السرّي فراح يبحث عن سيف أو درب يجعل من خلاله ذلك النداء مسموعاً. فمأساته أنه فيلسوف لا يكتفي بالكلمة ومقاتل لا يقنعه السيف”.

بداء نشاط لمعة السياسي والاجتماعي في الأربعنيات وقبل زواجها من منيف.

تطوعت للعمل في الهلال الأحمر الأردني وكتبت مقالات عدة وجدنا منها مقالة كتبتها في مجلة الرائد سنة 1945 بعنوان “المرأة الأردنية بين الجهل والعلم”، تحدثت فيها عن المرأة المتعلمة الحاملة لرسالتها بإيمان لا تزعزعه العواصف، بأنها الركن الأساسي في رقي الأمة، وبدورها في تنشئة جيل جديد صالح تسري في دمائه روح القومية الصادقة والمبدأ القويم.

رسائلها الى أفراد الأسرة خلال الفراق والترحال بين عمان ودمشق وبغداد تمثل حالة موثقة بالكامل من التعامل مع الألم والحفاظ على الأمل من خلال الكتابة.

لمعة كانت الرافعة للمعنويات والحامية للنفسيات والمدبرة للحياة. دورها كان الأهم. هي من مكن كل من أفراد الأسرة: منيف ومؤنس وعمر وزينة والأحفاد من الحفاظ على توازنهم والمضي نحو أحلامهم.

في الثمانينيات وهي ترزح تحت الإقامة الجبرية في بغداد مع منيف وزينة، بلا بارقة أمل وبعيدا عن أبنأيها وأحفادها، تساءلت: “هذه الأمة المنكودة في عالم اختطلت فيه الأمور فما عاد الإنسان يدري موقع قدميه، أهو على الشط؟ أم في لجج البحر العاتية؟

ايقفز الى اليمين ام الى اليسار؟ وايهما اليمين وايهما اليسار؟ واين يقع الحق بينهما؟ اين يقع حق الإنسان كانسان حي له قدسيته وله حقوقه وله حق العيش الحر وتقرير المصير؟”، وفي رسالة أخرى كتبت: “اوجاع الأمة ومصايبها تكسر الظهر.. كيف نتحمل هذه الأخبار الصاعقة التي تعتصر الإنسان وتذهب بالقيم وتجعلها هباءً منثوراً.

ولكن بالرغم من كل شيء يبقى الأمل.. الأمل الذي لا يخبو في صدر الإنسان ويبقى في القلب يتنفسه مع كل نفس ومع كل إشراقة صباح.. يتامل.. ويتارجح الأمل ويعطي بصيصا من النور يخترق الظلمات مهما تكاثفت!”. ودائما وأبداً كانت تنثر علينا جميعاً الإكسير الأهم في الحياة: “في قلبي دواوين حب، لن يكفيني ما بقي من العمر لأشرحه لكم”.

كما قالت صديقتها الروحية نجوى الزهار، “لكل من اسمه نصيب”. نعم يا لمعة، لم تفقد عيناك تلك اللمعة مهما اشتدت الخطوب. الحب غير المشروط كان القاعدة البسيطة التي حكمت علاقتك بنا. وتعاملك مع الناس كافة باحترام، قدرتك على الإصغاء والتعاطف مع الجميع، الجارات والأقارب، وكل من يمر بالبيت ولأي حاجة كانت.

المحبة كانت القاعدة، والثقة بالناس، والمغفرة والصفح لمعرفتك بظروفهم. لا غضب، لا حقد، لا نميمة، لا كراهية، بل ابتسامة عريضة معدية، وربما حزن أحيانا، وربما شعور بأن الأفق يكاد يطبق عليك، وربما شعور بالإنهاك أمام طاحونة السياسية والسياسيين.

ولكن كان أيمانك بعدالة معارك منيف، وأصرارك على تجنيب مؤنس المرهف ما أمكن من الويلات، وتحصين زينة الطفلة من صدمة الإقامة الجبرية في بغداد.

أما أنا فمسكون بطباعك ومزاجك وخلقك وقيمك ومحبتك، وأسعى إلى هذه السكينة الداخلية التي ترتقي فوق كل الخطوب فتجلب أفق البحر ونور الشمس إلى كل ممرات وزوايا الحياة.

المقال السابق للكاتب

الرزاز يكتب لـ”الغد”: التحول الديمقراطي الأردني بين وجهات نظر ووجهات وطن (3)

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock