فكر وأديان

“في سبع سنين”

أسامة شحادة

أثار الفيلم الوثائقي “في سبع سنين” الذي بثته قناة الجزيرة مؤخراً الكثير من ردود الفعل حول مضمونه من جهة، وحول فنّيات الإخراج وما إذا كانت تحمل رسالة مبطّنة من جهة أخرى!
وانقسم الناس بين مؤيد ومعارض ومتحفظ، ولكن الجميع يتفق على أن فكرة الفيلم مهمة وأن هناك جهدا كبيرا بُذل في الإعداد والاخراج، وفكرة الفيلم لمن لم يشاهده أو يسمع به تدور حول سرد تجارب عدد من الشباب والشابات في مصر من جيل ثورة 25 كانون الثاني (يناير) من خلفيات إسلامية متنوعة (إخوانية، سلفية، عمرو خالد، عامة) وبعد أحداث رابعة تحولت جذرياً إما للإلحاد أو التطرف والعنف عبر السفر لسورية والانخراط مع الجماعات المتطرفة هناك، وخُتم الفيلم بالإشارة إلى أن هذا التحول لم يقتصر على الشباب المسلم فحسب، بل هناك شباب مصري مسيحي تحول للإلحاد أيضا!
ولذلك كثرت التعليقات والتحليلات لما ورد في الفيلم من أفكار وإشارات في مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة، ويمكن أن نلخص محاور النقاشات والجدال والإشكالات التي أثارها الفيلم في الأسئلة التالية:

  • هل هذه النماذج التي تحولت للالحاد والعنف تشكل ظاهرة، وكم هو حجمها الحقيقي؟ أم هي حالات فردية معزولة؟
  • هل الربيع العربي وثوراته هي السبب في نشأة ردود الفعل السلبية (الإلحاد، العنف)، أم هي الثورات المضادة للربيع العربي؟ أم أن هناك أطرافا أخرى؟
  • هل ما عرضه الفيلم بشكل ضمني من ثنائية الإيمان والحجاب مقابل الالحاد والتبرج مع تصوير الفتاة بعد إلحادها وتبرجها يسطع ضوء الشمس من شعرها رسالة مقصودة ضد الإيمان والحجاب؟
  • طلب المقدم من بعض الشباب المتطرف أن يغني بعض الأغنيات القديمة التي كان يحفظها قبل التزامه وتحوله للتطرف، هل هذا يقدم رسالة أن الشباب العربي والمسلم محكوم بثانئية الكيف والطرب أو العنف والتطرف؟
  • هل هذه هي كامل الصورة لواقع الشباب العربي والمسلم في زمن الربيع العربي؟
  • هل هذه هي فقط التحولات الحادة والبالغة السلبية التي أصابت الشباب العربي والمسلم أم أن هناك تحولات أخرى أغفلها الفيلم؟
  • هل هذه التحولات الحادة والسلبية وغيرها من التحولات تقتصر على شريحة الشباب، أم هناك شرائح أخرى تعرضت لتحولات حادة وسلبية أيضا؟
    هذه هي أهم الأسئلة التي أثارها هذا الفيلم الوثائقي، وطبعاً هناك تيار أراح نفسه من مناقشة هذه الأسئلة مباشرة عبر مهاجمة الفيلم واسقاطه، فبعض أعضاء جماعة الإخوان هاجموا الفيلم باعتباره تجنيا على الثورات والثوار وتشويها لصورتهم، وأنه كان الأولى بأسرة الفيلم أن تقدم نموذج “أسرة البلتاجي” كمثال على مقدار الظلم الذي أصاب جماعة الإخوان من قبل السلطة الغاشمة، وذلك لأن المخيال الجماعي لجماعة الإخوان يرفض نقد وتقويم تجربتهم برغم كل كوارثها على أفرادها والمجتمعات، وقد كتب د. سيف الدين عبد الفتاح عن ذلك مقالاً مهماً قبل أيام بعنوان “فجوة التقبل.. النقد الذاتي”، كما أن جماعة الإخوان أدمنت استغلال المحن والمظلومية لتبرير أخطائها وبناء شرعيتها كما فصّل ذلك د. خليل العناني في كتابه عن الجماعة.
    وبالمقابل فرح بالفيلم كثير من رافضي الثورات -على اختلاف دوافعهم- ممّن يرى حرمة المظاهرات والثورات من السلفيين، واعتبرو الفيلم دليلا على النتائج الوخيمة للثورات والربيع العربي، وقد غاب عنهم أن هذه الظواهر السلبية لا تقتصر على دول الربيع العربي، بل إن كثيرا منها سبق مرحلة الربيع، وشاركهم في الفرح بالفيلم العلمانيون المرحبون بالثورات على الشعوب المتديّنة فقط، وركزوا على سلبية التحول للعنف والتطرف من جهة واحدة، واعتبروا الإلحاد حرية شخصية وتحررا ومدنية وتقدما!
    طبعاً لا يمكن الإجابة بحسم عن كثير من هذه الأسئلة التي أثارها الفيلم لأن الإجابة السليمة قد تكون مركبة من عدد من المكونات المتناقضة، ولأن المعلومات الحقيقية الكاملة قد لا تكون متاحة ومتوفرة لحد الآن، ونحتاج إلى كثير من الدراسات التفصيلية الجادة والعلمية، لكن من الممكن الإشارة إلى بعض الملاحظات الهامة عن هذه الأسئلة.
  • من الخطأ البيّن إلقاء تبعية كل سلبيات الربيع العربي على جهة واحدة فقط، سواء الثوار والأحزاب المعارضة أو الأنظمة والسلطة، فالجميع ارتكب أخطاء بالغة وكبيرة، وعلى الجميع مراجعة مواقفهم وتصحيح أخطائهم، مع التباين في حجم ومقدار الأخطاء بين الطرفين في كل حالة من حالات الربيع العربي.
  • مع كل السلبيات التى كانت قائمة في الواقع العربي فإن (قوى الثورة) على مختلف أطيافها الدينية والعلمانية كانت على الأقل فاقدة لكثير من الشروط اللازمة لتقديم بديل أفضل عن الواقع السلبي القائم!
  • للآن ما يزال الطرفان يعالجان الأخطاء السابقة بأخطاء لاحقة مما يزيد الشقة ويقاقم الأحوال تدهوراً.
  • لا شك أن فشل وقصور كثير من الخطاب والفعل السياسي الذي قدمته الحركات والأحزاب والشخصيات الإسلامية قد تسبب في صدمة عند بعض الشباب والأفراد -وقد لا يكونون قلة يستهان بهم- تفاوتت معها ردات فعلهم السلبية، والتي وصلت في تطرفها وغلوها للالحاد عند بعضهم، ومن الخطأ هنا الجدال في عدد من ألْحد كثيرا كان أو قليلا، لأن الصواب أن من ألْحدوا هم كقمة جبل الجليد يظهر رأسه الصغير ويخفى جسمه الكبير، مما يؤشر لوجود حالة سلبية كبيرة عند قطاع كبير من الشباب والأفراد لم تصل للإلحاد لكنها وصلت للكفر بقيادة تنظيماتها أو التنظيم نفسه وانفضّت عنه، أو قد تكون تحولت لاتجاه إسلامي آخر أو اكتفت بالتدين العام أو تنصلت من تنظيمها والتزامها ولم تصل لحد الإلحاد، وهذا كله خسارة كبيرة تسببت بها هذه القوى الإسلامية بفشلها وقصورها.
  • إن العنف البالغ الذي مارسته الأنظمة والسلطات في الثورة المضادة ضد الشعب والثوار قد تسبب في إعادة تنمية مناخ التطرف والغلو والإرهاب وجذب كثيرا من الشباب من دوائر الاعتدال إلى فخ الإرهاب وجماعات التكفير والتفجير، وأدخلت المجتمعات مرة أخرى في دوامة العنف والقتل في تكرار لمآسي العقود الماضية، وساهم في إذكاء روح الانتقام والدم لدى الشباب الخطاب الإعلامي الانفعالي والمتهور للخاسرين في الربيع العربي.
  • من تناقضات الإعلام الموالي والعلماني أنه يدين التطرف الذي تمارسه تنظيمات إسلامية ويزعم أنهم لو تركوا الشباب يطربون لما تطرفوا، والعجيب أن هؤلاء العلمانيون وكثير من رموز الفن والطرب يصفقون ويغنون ويطربون على وقع البراميل المتفجرة على رؤوس المدنيين ويتمايلون على وقع القنابل الكيماوية على أجسام الأطفال!
  • لا تقتصر السلبيات على الإلحاد والتطرف عند الشباب بل هناك موجة من الغضب العدمي وموجة من الإدمان والمخدرات وموجة من السلبية واللامبالاة مع اليأس ولذلك يهرب الشباب من أوطانهم.
  • لم تقتصر التحولات الحادة على الشباب، فحتى بعض الكبار ممن صدم بفشل خطابه وسياسته وخسارته للنزال، اضطر للتنازل عن كثير من مبادئه وقناعاته، وأصبح يتماهى مع السلطة الغاشمة التي كان يعارضها، وتخلى عن تحكيم الشريعة ليؤيد القوانين الهادمة لما تبقى من قوانين الشريعة في الأحوال الشخصية، وأصبح يشرعن هزيمته النفسية في معركة خاطئة بتطويع الإسلام والإيمان للعلمانية ليحافظ على موقع قدم له في اللعبة السياسية التي لم يتقنها، فأضاع دنياه ويضيع الآن دينه!
  • الأنظمة والسلطات طالتها التحولات السلبية أيضاً، فمن كانت تعد أيقونة الديمقراطية ونموذج التحول السلمي آخذة بالتوجه لسلوك سلطوي عبر القوانين والدستور! وتلك وتحت ضغط الربيع وتحديات البقاء تسلك مساراً (ثقافياً) متحرراً منطلقاً!
    إن هذه الملاحظات تكشف بوضوح عن غياب مرجعية علمية فكرية هادية تقود الناس والمجتمع والدول لسبيل خلاصها وتخلصها من شقاء البعد عن منهج الله عزوجل وشقاء الفساد بكل صوره وأشكاله.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock