أفكار ومواقف

في شبهة الموت

الى محمود درويش


في التذكر نسيانٌ، قال شاعرٌ يوماً، فقرّرْنا أن نخصفَ عليك من شجرِ جنّتينا وانت ممدّدٌ على سطح ماء بحيرة المعنى… ومثل زورقٍ لطيفٍ تروح تَمْخُرُ بخارَ الرذاذِ الذي يتطايرُ حولَكَ، من فعل صحبةٍ تهلعُ لفكرةِ ذهابَكِ في عمق سكينةِ الغياب.


ألئن كان لنا دورٌ في جوقة استوائك على عرش الموسيقى، رحت تمسِكُ بكفِ أرَقَّ من نسيج فَجْرٍ، بعصا المجاز النديّة التي حرّكتَ بها النغمَ المستترَ والتباريخ؟


من رمى حولَكَ الزنبق وشبّهك بالكلام؟


من رفع إليك الريح وجرد من اجلك الصفات؟


بساطُك ما يزال على حاله ممدوداً وسماطُك زاخر. والمسّرات تباركت بالاحتفاء بطلعتك يوم منحتها بعض بشاشةٍ.


ولكنك مثلَ صبيّ خجولٍ التبستْ عليك الإشارات التي كانت ترد من خلف حجاب، تريد تأويلك وتحويلك إلى مثال… ولكنه مثالٌ بلا مناسبة، يمشي على رؤوس الشجر، ويستحمّمُ بالاشواق.


هل حَنَنْتَ الى دنيانا، هذه الملتبسة بالشيء؟ أم إلى فلسطينِكَ الغائبةِ في الشحناء؟ وهل لن تكف عن تربية الأمل بعد اختراعه؟ أمل في حدوث باهرٍ يشبه ان يجتمع ناسُك ولو على كوب شاي؟


في جمال بقائك هذا البعيد، هذا الأثيري، ربما وجدنا لأنفسنا العذر في نسيانك قليلا، من اجل عودة نافرة كمهرة من ضباب.هل الكلام الذي تركتَه مثل مناديل على الشجر والحجارة وفوق اكتاف الغيم، سيحتمل طويلا بُعدك النسبيَّ عن قلمك القلق، ومزاجك مختلفا؟ وماذا ستفعل الأمكنة التي غازلتَها، وخصور النساء اللواتي رقصن في شمس تشابيهك؟


ماذا سيفعل النسيان ان انت نسيته، والحمائم اللواتي يسجعن مثل يتيمات في كوى القصائد؟ هل فكرت -ولو قليلا- بنا، كقبيلة للشعر- صعدنا معك في مرتقى صعب ووعر، ثم تركتنا هناك الى منتهى غامض ومشكوك فيه؟


وهل البحار التي رحتَ تخوض في فكرتها لم تألُ جهدا لكي تغسل قدميك؟


أسمعنا نشيدَك الذي يصدح كالضوء… فلقد سئمنا الغوص في المغزى من أجل البحث عن فيروزة خائفة لم تمشِ في ركابك، او ماسةٍ حمقاء تلطّت بحجر حتى لا تدوسها سنابك خيلك..


أسمعنا… أسمعنا.. فلقد تعبت المعاني وهي توصوص على معتكفِكَ، تنتظر صبحا يفتح بابك ويخرج معك…


تنتظر مهرجانا يئبّ على حواف الكتب، عندما لا تغفر لنا تلهينا بأخطاء العروض، وبالمقدمات، وبالمكائد الصغيرة التي تصلح لاستعارات باردة لا يفهمها الشعر… واغفر لنا يا أبانا الجميل، وعشيق نساء الجميع، أنّ الحب لا يفهم ولا يستوعب ولا يتعلّم..


وأننا لذا نضعك على السطر كلّ يوم ونقرأك.


[email protected]

تعليق واحد

  1. ايام الفهم
    لم افهم شيئ. ام هل من الفهلوة ان لايفهم أحد شيئ يكتبه الكاتب؟ رخم الله ايام الفهم.

  2. لماذا تركت الحصان وحيدا
    لم يكن محمود درويش يعبث لحظة واحده بادوات رسالته لفرط حساسيتها لان اداته واحده لطبيعته الاستثنائيه فقد كانت هذه الاداه بدون منازع هى الوطن المفقود الذى يصبح فى قاموس الغياب( فردوسا مفقودا)
    لقد صدر الحكم قدريا على محمود درويش على ان يصبح الشاعر الذى ولد فلسطينيا لكى يصبح لسانا لهذه الارض التى افقدت عن عمد الكثير من السنتها
    لقد انتهى العمل على ظهر السفينه
    وضاق الموت بانتظارك خارج الارض
    ولم يعد احد من الموتى ليخبرنا بالحقيقه
    لقد ذهبت يا محمود درويش وتركت الحصان وحيدا

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock