رأي اقتصادي

في صميم دور المعلمين

بعد أكثر من عقدين على توقيع اتفاقيتي “وادي عربة” و”أوسلو”، فإن ثمة ما يدعو للفخر حيال بروز موقف يمثل أكبر جسم مهني في الأردن وهو المعلمون، الذين رفضوا ذكر اسم “إسرائيل”، ويطالبون باستبدالها بكلمة “فلسطين”، في الكراسة الخاصة بعملية التعداد السكاني المرتقب.
بدأ الاحتجاج في الكرك قبل أيام. وتلته مواقف مماثلة شملت باقي المعلمين في المحافظات الأردنية الأخرى. وتمكنت نقابة المعلمين، ومعها نقابة المهندسين وقوى نقابية أخرى، من الضغط بشكل فاعل على دائرة الإحصاءات العامة، التي قال مديرها العام الأربعاء الماضي إنه “يمكن لأي باحث يشارك في عملية التعداد السكاني… استبدال دولة “إسرائيل” في الكراسة الخاصة به”.
قد يقول قائل إن الأمر مضيعة للوقت، وأن القصة شكلية لا طائل منها. غير أن الحقيقة عكس ذلك تماما؛ فأحد أكبر التعقيدات في الصراع بين العرب ودولة الاحتلال في فلسطين، هو فرض الأمر الواقع من قبل المحتل، وإعادة رسم الخرائط وتغيير الجغرافيا على الأرض، وطمس الهوية العربية والإسلامية والمسيحية، وربط الأجيال المعاصرة بالمفاهيم التي تريدها حكومة الاحتلال.
كما أن للأمر معنى ومضمونا اقتصاديين كبيرين. فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتوسع في الاحتلال على شكل مستوطنات في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهو يقوم بذلك اليوم ضمن مسار متطرف، يمر تحت عناوين اقتصادية للاحتلال، أولها “السلام الاقتصادي”. وحرب المفاهيم هذه اختلطت على عدد من العرب، إذ صدقوا الخداع الإسرائيلي طيلة عقدين مضيا، بينما لم تفتر عزيمة الجهد الشعبي والنقابي من أجل كشف كل بشاعات الاحتلال الذي ألغى فلسطين واستبدل مكانها كيانا اسمه اسرائيل، بني على الاغتصاب والقتل واستباحة أملاك وحقوق الغير، في غفلة من الإنسانية والأخلاق، وفي ظل هوان سياسي عربي.
مكمن الخطورة بالنسبة لأطفالنا وأجيالنا المعاصرة مؤثر وعميق. فرؤية “إسرائيل” بدل “فلسطين” على الخريطة، جنبا إلى جنب الدول العربية، والتعامل مع الأمر باعتباره حقيقة تم التسليم بها، سيعني أن الاحتلال حقق مراده. وعندما نوقع اتفاقيات تقدم لنا غازا فلسطينيا مسروقا بواسطة المحتل الإسرائيلي، فإن ذلك يعني أيضا إضفاء القبول والشرعية على كل إجراءات الاحتلال الاسرائيلي المدانة والمجرمة بالقانون الدولي.
قبل أيام، وعقب هجمات باريس، كان لوزيرة الخارجية السويدية موقف مختلف لا يشبه في مضامينه الكلام عن الإرهاب بوصفه فعلا معزولا؛ إذ ربطت الوزيرة بين الإرهاب وبين التعقيد في الشرق الأوسط واليأس الذي يتعرض له الفلسطينيون بسبب استمرار احتلال أراضيهم. وهو ما أثار حنق وغضب إسرائيل. وقبل ثلاثة أسابيع، أثار طيار إسباني غضب الإسرائيليين عندما حيا ركاب طائرته بعد اقترابه من مطار اللد “بن غوريون” بالقول “أهلا بكم في فلسطين”. ومن باب أولى أن يكون رفض الاحتلال بأشكاله السياسية والتوسعية والاقتصادية منا نحن، الذين أذاقنا هذا الاحتلال مرارات سوداء لعقود، وما يزال سوادها يخيم فوق رؤوسنا!

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock