;
صحافة عبرية

في غزة تعبوا من الحروب.. وحماس تنصت للشارع

هآرتس

عميره هاس

من الصعب، وحتى من الوقاحة، أن نسأل الآن الناس في غزة عبر الهاتف اذا كانوا يؤيدون قرار الجهاد الاسلامي الرد بصلية صواريخ على قتل احد قادته العسكريين، تيسير الجعبري، ومرافقه سلامة عابد. لماذا هذا صعب؟. أولا، تقنيا. في ظل عدم وجود ملاجئ أو قبة حديدية أو صافرات انذار، فان المليوني مواطن في القطاع يشاهدون مرة تلو اخرى الروليت الروسية التي خبروها في الحروب الاربعة منذ العام 2008 وعدد لا يحصى من “العمليات” العسكرية الاصغر.
هم ينشغلون بالاهتمام بحياتهم وحياة اقاربهم واعزائهم، هم يخافون ولا يمكنهم عدم تخيل الاسوأ. عندها يقصون الرعب بنوم هستيري أو هذر كلامي حول كل شيء، عدا عن الحرب الحالية. هم ينشغلون في فحص مَن مِن اقاربهم في جباليا أو في رفح قتل وما هو وضع اصدقائهم الذين يعيشون قرب المبنى الذي تم قصفه. هم يتبادلون المعلومات والافلام القصيرة التي تصعب مشاهدتها، عن يد تظهر من بين الانقاض واطفال يصرخون ونساء يهربن وبيوت تنطوي على نفسها داخل سحابة من الدخان والتراب. غزة هي منطقة صغيرة، ويبدو أن الجميع يعرفون بعضهم هناك ويخافون على بعضهم.
بين الخوف من صوت الطائرات المسيرة وصوت الانفجارات فان الناس يشغلون المولد المنزلي أو مولد الحي لأن تزويد الكهرباء الآن هو فقط ثلاث ساعات في اليوم، أو يقومون بملء صهريج المياه للاستحمام لأنهم لا يعرفون متى ستكون لدى البلدية كهرباء من اجل ضخ المياه. مياه الصنبور غير صالحة للشرب، لذلك فان الناس يخاطرون ويخرجون من البيوت لشراء عبوات المياه التي تمت تنقيتها وللبحث عن بقالة يوجد فيها غذاء، الذي نفد عندما اغلقت اسرائيل معبر البضائع كرم أبو سالم قبل خمسة ايام. هم يهتمون بسلامة الجدات والابناء الذين لم يذهبوا للعلاج في شرقي القدس أو في نابلس لأن اسرائيل اغلقت حاجز ايرز في يوم الثلاثاء الماضي.
لماذا وقاحة؟ لأن هذا سؤال يحوي في طياته الافتراض الاسرائيلي جدا وهو أن “الفلسطينيين مرة اخرى هم الذين بدأوا” وأن الامر يتعلق بوضع متناظر بين دولتين سياديتين، فيه احداهما، غزة، تشعل الحرب وتهاجم الدولة التي تحب السلام. هذا سؤال لا يأخذ في الحسبان أن اسرائيل تواصل تقرير حياة الفلسطينيين في القطاع، مثلما في الضفة الغربية، حتى لو كانت تدعي أن الامر ليس هكذا، وحتى لو أن معظم مواطنيها اليهود يصدقونها.
عندما بادرت اسرائيل الى الاغتيال الذي حسب ادعائها كان يمكن أن يفشل عملية، هي بذلك راهنت على أن الجهاد الاسلامي سيعمل حسب السيناريو الذي كتبته. أي بوعي وبشكل متعمد اعادت بلدات غلاف غزة الى دائرة الخوف من الصواريخ وصافرات الانذار وصوت اعتراضات القبة الحديدية. عندما عمل الجهاد حسب السيناريو الذي كتبته اسرائيل كان يجب عليها أن تفترض أنها لن تكتفي بجولة واحدة فقط من مبادرتها ورده، أي أنه كان يجب عليه الاخذ في الحسبان بأن اسرائيل ستعود وتقصف بقنابل “جراحية”، التي هي ايضا تقتل وتصيب مدنيين فلسطينيين غير مسلحين وغير متورطين – هذه القنابل التي تلحق ضرر كبير بالممتلكات وتعيد المليوني شخص المحاصرين الى دائرة الرعب وخطر الموت على حياتهم.
مع ذلك يتم طرح سؤال هل الناس يؤيدون رد الجهاد الاسلامي، الذي هو منظمة صغيرة ويجد تأييد له في غزة، على اغتيالات اسرائيل؟. الجواب هو أنه الآن ليس الوقت لفحص ذلك، لكن الناس يهمسون بشيء ما عن تشككهم وتعبهم من جولات القتال والدمار التي لا تحقق أي شيء ولا تنهي الحصار. فيما بعد هذه الاصوات ستزداد وربما لا. التجربة تعلم بأن هناك عتبة من القتل والدمار، اذا اجتازتها اسرائيل مرة اخرى فان سكان القطاع، رغم الذعر والخوف، سيؤيدون أي رد عسكري فلسطيني يمنع اسرائيل من مواصلة القصف والقتل والتدمير.
حتى الآن الامل في غزة بأن يتم تطبيق وقف اطلاق النار هو نوع من الاجابة على السؤال. ولكن الاجابة الواضحة اكثر هي قرار حماس، على الاقل حتى أمس، وقف اطلاق النار. فهذه منظمة تصغي لدقات قلب الجمهور، حتى لو كانت ليس بالضرورة تعمل وفقها. هناك عدة اصوات في الفيس بوك، سبق وسمت عدم انضمام حماس للمعركة العسكرية “خيانة”، ولكنها قليلة. والاعتقاد لدى عدة مصادر في غزة هو أن معظم الجمهور راض من أن حماس ضبطت نفسها ولم تنضم للاطلاق. وعدم انضمامها هو الضمانة لوقف اطلاق النار القريب جدا.
حماس كحكومة فعلية في القطاع ستبقى. هي تسعى الى أن تقود في المستقبل جميع الشعب الفلسطيني، في البلاد وفي الشتات، بدلا من م.ت.ف وحركة فتح اللتان افرغتا من كل مضمون. وكحزب حاكم هي بالتأكيد تعرف الاستطلاع الذي اجرته منظمة “انقذوا الاطفال”، والذي نشر في حزيران الماضي تحت عنوان “واقعون في المصيدة”. هذا الاستطلاع اظهر أنه بعد 15 سنة من الحصار الذي فرضته اسرائيل فان نسبة البطالة العالية والفقر اللذين تسبب بهما الحصار والحروب الاربعة، فان اربعة اطفال من بين كل خمسة اطفال في القطاع (80 في المائة) يعانون من الاكتئاب ويعيشون في حالة خوف وحزن. في العام 2018، في استطلاع سابق لنفس المنظمة، كانت هذه النسبة هي 55 في المائة. التبول في الليل وعدم الحديث وعدم القدرة على العثور على طرق ايجابية لمواجهة الصعوبات والشعور بأن العائلة والاصدقاء لا يؤيدونهم وعدم التركيز – كل ذلك بعض الدلائل النفسية غير المفاجئة التي تمت الاشارة اليها في التقرير، والتي معظم الاطفال يعانون منها. ووجد ايضا أن نصف اطفال القطاع فكروا بالانتحار، وثلاثة من بين كل خمسة يتسببون بالضرر لانفسهم.
التبرعات من قطر والرعب العسكري لا تحل هذه الضائقات. وحتى لو كان يوجد لدى حماس ميل للتشكيك بدرجة دقة الاستطلاعات “الغربية” التي تعتمد على نظريات نفسية “غربية”، فانه لا يمكنها أن تتجاهل تماما المعطيات وعلاقتها المباشرة بالحرب. هذا لا يعني اسرائيل مواطنيها، ولا يعني ايضا الحكومات الغربية التي تتحدث عن “حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها”، مع تجاهل يدعو الى اليأس بسبب سيطرتها على القطاع.
حكومة القطاع الفعلية هي التي يجب عليها استخلاص الدروس بأن توسع الحرب الحالية هو سيئ لشعبها؟.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock