أفكار ومواقف

في فهم الهيمنة

يتردد السؤال اليوم؛ إلى أين يذهب المشهد الاسرائيلي في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية؟ وهل ثمة احتمالات للتغيير في ادارة السياسة والصراع بعد اكثر من عقدين في تحكم اليمين الصهيوني المتشدد، ثمة اتجاهات في بعض العواصم العربية تضع رهانها على تحالف جديد يعيد إلى إدارة الصراع قوانينها التقليدية بعد كل ما اصابها في عصر بنيامين نتنياهو، وهذه الرهانات قد تكون واهمة، فالتحولات التاريخية في اسرائيل تصنعها مراكز أمنية ومؤسسية متقدمة لا صناديق الاقتراع ولا صراع الاحزاب.
فشكل حكومة الوحدة الوطنية او اي شكل آخر للحكومة القادمة يرتبط في فهم مصالح اسرائيل في ضوء ما يحدث في الاقليم والعالم اكثر مما يحدث في الداخل، علينا ان ننظر للفراغ الذي أحدثه خروج تنظيم الدولة (داعش) من الصحراء السورية والعراقية، وما يحدث في جوار الجولان ومحاولات ايران وحزب الله التمدد إلى هذا المجال، وهو الامر الذي يدفع إلى المزيد من الاستفزاز الاسرائيلي والمزيد من العمليات العسكرية الاسرائيلية التأديبية، مع تنامي قوة حزب الله وانتشاره على اكثر من جبهة.
ما يشكل خريطة فهم الحكومة الاسرائيلية ما يحدث لآبار النفط التاريخية في الجوار القريب بعدما حافظت السياسة الدولية والاقليمية على أمنها واستقرارها لما يقارب ثمانية عقود في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الاسرائيلية مع دول الخليج العربي تقاربا تاريخيا وعير مسبوق، في حين ثمة احتمالات واسعة لإعادة رسم خرائط الامن والتعاون الاقليمي في المنطقة، وربما بشكل يفاجئ الكثيرين ويحدث قطيعة غير متوقعة مع الماضي.
كما ان ما يشكل فهم خريطة الحكومة الاسرائيلية القادمة يرتبط بالطبع بفهم ما وصلت اليه الرعاية الاميركية للمصالح الصهيونية، لقد سبق وان تكلمت الولايات المتحدة كثيرا لغة قديمة في سلوكها الدولي خلال العقود السبعة الماضية؛ لغة الاستعلاء والجبر السياسي وهي إرث حقبة الحرب الباردة وقبلها حقب الاستعمار الغربي، لكن لم تكن السياسة الخارجية الاميركية في يوم مستفزة ونزقة في سلوكها ومواقفها من الصراع العربي الاسرائيلي مثلما حدث في السنوات الاربع الاخيرة وبكل ما انطوت عليه هذه السياسة من افعال مثل نقل السفارة الاميركية إلى القدس والتلويح المستمر بما يسمى ( صفقة القرن ).
إن مراجعة تطور الحياة السياسية في الدولة التي أسسها العلمانيون منذ أكثر من سبعة عقود، توضح كيف وُظفت أدوات الديمقراطية في العقود الاولى من أجل الاستيعاب والهضم وبناء المواطنة لكيان يقوم على فكرة الهجرة، ثم في العقود التالية تحولت وظيفة الديمقراطية إلى إعادة التكيف عبر عمليات الهيكلة السياسية والاجتماعية من أجل تحمل المزيد من ضغوط الاستمرار في حالة الطوارئ التي لا تريد حسم الحرب ولا حسم السلم، وبالتالي هذا التطور الذي قاد الدولة والمجتمع نحو المزيد من التطرف، وجاء بدولة دينية في منتهى المطاف.
الانتخابات الاسرائيلية في السنوات الاخيرة لم تأت بأكثر تحالفات دينية أكثر تطرفا تتنافس على من يبني مستوطنات أكثر ومن يقدم ضمانات بحماية مستوطنات الضفة الغربية.
دولة دينية أخرى في اسرائيل استكملت اركانها في هذه الانتخابات بينما تزداد قوة حضور الدول الدينية في المحيط العربي. إلى هذا الوقت لم نجد أي اشارات جدية تفيد بتغير في إدارة الصراع بعد الربيع العربي، أي أن النخب في النظام العربي الجديد لم تصل إلى إدراك خطورة الدولة الدينية النامية في اسرائيل مقابل الدول الدينية الآخذة في الانتشار عربيا وإقليميا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock