فكر وأديان

في قابل الأيام!

د. عصر محمد النصر*

للأمم والدول أعمار كأعمار الإنسان، ويجري عليها ما يجري عليه؛ فتارة تنهض وتارة تضعف، وهي بين ذلك على أحوال متعددة. وإنما يجري أمرها على وفق سنن أودعها الله تعالى في كونه وخلقه. فنهوض الأمم وقيام الدول يكونان بمقدار مراعاة هذه السنن، وضعفها وسقوطها، يكونان على مقدار تخليها عن هذه السنن والغفلة عن العمل بها.
وما يجري على سائر الأمم، يجري على أمة الإسلام؛ فالسنن لا تحابي أحدا. مع هذا، يبقى للأمة المسلمة ما ليس لغيرها؛ فهي أمة أَذنَ الله سبحانه ببقائها، وفناؤُها فناء الدنيا. هي أمة تمرض وتضعف، لكنها لا تموت؛ فهي بين حكم جار ودين محفز.
فالدين أعظم المحفزات على النهوض والعمل، وأكثرها أثرا في انضباط الفكر والسلوك؛ فهو يدعو إلى التوكل حيث يجد القلب الضعيف عند خالقه وخالق الكون والأسباب ملاذا، فيستزيد قوةً ويأوي إلى ركن شديد، ويتخذ من حسن ظنه بربه وسيلة يبدد بها أوهام الواقع والخوف من مجهوله. ثم هو واقعي في تعامله مع ما أودع الله سبحانه في كونه من أسباب؛ فلا يعظمها تعظيما يخرجها عن كونها مخلوقة مربوبة، ولا يهملها إهمال الحالم المتزيد. وهنا يظهر أثر الاعتقاد الصحيح في مسيرة الأمم والشعوب؛ إذ يحمل النفس على الموازنة بين الشرع والقدر، ويأمرها بمعالي الأمور فهي في عمل دائم، تترفع عن السفاسف والملهيات ومظاهر الترف المهلكة للشعوب والأوطان، فما حل الترف في أمة إلا بغفلة عن أسباب تمكنها وعزها.
الأمم التي تنهض، وتقوى وتضعف، إنما تنهض بشعوبها؛ باجتماع أفرادها، بالحاكم والمحكوم، بصحة الرؤية، ووضوح الهدف. وهنا يعظم أثر المصلح ممن يرجو خير أمته وعزها؛ فهو دائم النصح حثيث السعي في التوجيه، لا يحول بينه وبين أمته شر رآه أو فساد انتشر، بل ينظر إلى الخير فيزيده وينميه، وينظر إلى الشر فيقلل منه ما أمكن. فأحوال الأمم كأحوال الأفراد، تجتمع فيهم الحسنة والسيئة والخير والشر، ولا تخلو أعمالهم في نظر الناظر من فساد يكتنفها أو خطأ يعتريها، مما يستوجب السعي إلى الإصلاح وتوجيه الأعمال، ليكون الدين لله تعالى، وتكون كلمة الله هي العليا.
شعور الأمة بالقوة وتطلبها له، هو من الصحوة المنشودة والعز الدافئ الذي يرجى خيره. وهو خطوة في مسار نهضتها، إذ تدرك ضعفها وحاجتها. وهذا الشعور وذلك الإدراك من أحوج ما تكون له الأمة في وقتنا الحالي. وما نراه من إرهاصات وتحولات في الواقع اليوم، ينذر بذلك. فما أحوج الأمة إلى من يأخذ بيدها ناصحا وموجها، بعيدا عن نطاقات التفكير الضيقة والثقافات الفئوية المحدودة التي حالت بين فئات الناس وأمتهم، حتى غُلِّبت المصلحةُ الشخصية على المصلحة العامة. وأشد من ذلك أن تغذى تلك المواقف بمنطلقات فكرية تضعف الشعور بعموم الأمة ومصابها.
ملامح النهضة الشرعية
بشّر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم، بظهور دينه وانتشار أمته: “إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا” (مسلم). ووعده تعالى بملك كسرى، وركوب البحر. كل ذلك مثّل طريقا واضحة بيّنة لعلو الأمة وانتشارها، وهو على سبيل الإذن، مما حدا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، رضي الله عنهم، بذل الجهد واستفراغ الوسع لتحقيق هذا الوعد والعمل على مقتضاه، فاتخذوا لذلك أسبابا. فتكامل لهم الأمر وعالجوا بالشرع القدر، وحقق الله لهم وعده. وعلى ذلك سار الصحابة رضي الله عنهم، بعد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى دانت لهم البلاد وفتح الله على أيديهم. ولكن أقدار الله غالبة وأحكامه نافذة، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه سبحانه؛ إذ تداعت أسباب الضعف على الأمة، فرضي الناس بالدنيا، وتركوا الجهاد، فتسلطَ الأعداءُ، وتداعت الأكلة. واليوم، استدار الزمان، فاحتاجت الأمة إلى عودة إلى تلك السنن لضمان قوتها ونهضتها.
وقد تقرر أن الأمة المسلمة إنما تنهض بالعودة إلى دينها ومصدر عزتها، حيث أودع فيها أسباب القوة والبقاء، كما جاء في الحديث النبوي: “لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ” (مسلم). فهو قتال تحت راية الإسلام، وجنوده هم عباد لله تعالى، بما تحمله الكلمة من معنى للعبودية؛ من الخضوع والعمل والمحبة. وهكذا في جملة من الآيات والأحاديث التي تنادي باسم المسلم وتحثه على الطاعة والعمل بشرع الله، ثمّ هي تعده بالنصر والتمكين.

*كاتب أردني

تعليق واحد

  1. الفهم الشمولي للنهضة
    جزاكم الله خيرا على هزا الفهم الشمولي لمسألة النهضة والنهوض التى هي اليوم من اهم القضايا التي تمس حاجة اﻻمة .وخاصة في زمن االهزائم واﻻنتكاسات التي نعيش .وكم نحن اليوم بحاجة لرواد امثالكم يياخذون بأيد أفراد اﻻمة لتتمكن من النهوض وأخذ زمام المبادرة للحوق باﻻمم المتقدمة وخاصة اننا نملك ما ﻻ يملكون من دين عظيم وقيم مبادئ رفيعة سامية .

  2. نفع الله بكم فضيلة الشيخ
    بارك الله بجهودكم شيخنا ووفقكم في صناعة الوعي

  3. الفهم الشمولي للنهضة
    جزاكم الله خيرا على هزا الفهم الشمولي لمسألة النهضة والنهوض التى هي اليوم من اهم القضايا التي تمس حاجة اﻻمة .وخاصة في زمن االهزائم واﻻنتكاسات التي نعيش .وكم نحن اليوم بحاجة لرواد امثالكم يياخذون بأيد أفراد اﻻمة لتتمكن من النهوض وأخذ زمام المبادرة للحوق باﻻمم المتقدمة وخاصة اننا نملك ما ﻻ يملكون من دين عظيم وقيم مبادئ رفيعة سامية .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock