صحافة عبرية

في قلب الصحراء.. إسرائيل أقامت معسكرات سرية لاعتقال الأبرياء

هآرتس

بقلم: عوفر اديرت

30/7/2021

في العام 1971، بعيدا عن عيون الجمهور وتحت غطاء شديد من السرية اقامت اسرائيل في شبه جزيرة سيناء معسكرات اعتقال تم اليهما نفي أناس أبرياء. الاول استخدم من اجل ابناء عائلات اعضاء فتح الذين اتهموا بالارهاب. والثاني لشباب عاطلين عن العمل. اطفال، نساء وشباب تم نقلهم من قطاع غزة من قبل الجيش الاسرائيلي وتم وضعهم في هذه المنشآت المرتجلة في قلب الصحراء، وهم معزولون ومقطوعون عن حياتهم. وقد مكثوا هناك لفترات متغيرة، احيانا بضعة اشهر، في ظروف وصفت من قبل الصليب الاحمر بأنها “لا تطاق”. ومع مرور اقل من سنة تم اغلاق هذه المعسكرات والمعتقلون تمت اعادتهم الى القطاع. محاضر النقاشات في موضوع معسكرات الاعتقال تم تصنيفها كـ”سرية” طوال خمسين سنة، عدد منها لفترة أطول من ذلك. “هآرتس” تكشف قصة هذه المعسكرات.
تحقيق شامل في ارشيف معهد “عكفوت” للتحقيق في النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين، والوثائق والصور التي تم العثور عليها في ارشيف الجيش وفي ارشيف الدولة وفي ارشيف الصليب الاحمر تمكن من تتبع اقامة المعسكرين واغلاقهما. معسكر أبو زنيمة اقيم على شاطئ خليج السويس ومعسكر ناحل (النخيل نقلا عن العربية) اقيم في وسط شبه جزيرة سيناء.
بعد احتلاله في حرب الايام الستة اعتبر قطاع غزة “عش دبابير” نشيط، خرجت منه عمليات ضد اليهود من سكان اسرائيل. والى جانبهم قتل ايضا عرب من سكان القطاع الذين اتهموا بالتعاون مع اسرائيل. ولكن في كانون الثاني 1971 تم الوصول الى نقطة الغليان عند قتل مارك وافيغيل ارويو، أبناء 5 و7 سنوات من كريات اونو. العائلة كان عائدة من رحلة في مستوطنة ناحل يم في شمال سيناء عندما ألقى شاب فلسطيني عليها قرب مدينة غزة. الولدان قتلا والأم اصيبت. اصداء العملية، بسبب هوية الاولاد – الاثنان مثلا في الاعلانات– جعلت اسرائيل تتخذ قرار بالرد الشديد. اريئيل شارون الذي كان في حينه قائد المنطقة الجنوبية تم ارساله لـ “تصفية العنف”. والعملية التي نفذت بين العام 1971 ومنتصف العام 1972 شملت نشاط لوحدات خاصة لاغتيال المطلوبين وهدم البيوت وفرض حظر التجول والتفتيش. ولكن هذا ليس كل شيء.
حول اقامة معسكرات الاعتقال تخبرنا عدة وثائق تاريخية. أحدها هو محضر لقاء اجراه المنسق الاول لنشاطات الحكومة في المناطق، الجنرال شلومو غازيت، الذي اصبح بعد ذلك رئيس قسم الاستخبارات، مع قادة كبار من وزارة الخارجية في مكتبه. في المذكرة التي وثقها ممثل وزارة الخارجية، تم تفصيل الخطوات التي اتخذها الجيش لاستئصال الهجمات والتي تضمنت الى جانب الاعتقالات والاغلاق وحظر التجول اقامة المعسكرات. حتى الآن يرفض ارشيف الجيش الاسرائيلي الكشف عن أساس توثيقه. مشاركة رئيسة الحكومة في حينه، غولدا مئير، مهما كانت اهميتها لم تذكر في أي وثيقة في الارشيف.
معسكر أبو زنيمة اقيم في 5 كانون الثاني 1971، على بعد 300 كيلومتر جنوب مدينة غزة. وهو يحمل اسم البلدة التي اقيم فيها في جنوب غرب سيناء، على الشاطئ الشرقي لخليج السويس. بعد فترة قصيرة نقل اليه المعتقلون الاوائل، 59 شخص من ابناء عائلة فلسطينية واحدة. في نفس الشهر، عندما التقى ممثلو الصليب الاحمر مع غازيت وعبروا عن قلقهم من تهجير سكان القطاع، اشار الى أنه يوجد في المعسكر معتقلون من عشرين عائلة. وقد اوضح لهم بأن هذه العائلات تم طردها من غزة بسبب “دعمها للهجمات”. في نهاية الشهر ارتفع عدد العائلات الى 27 عائلة، وفيها عشرات الاولاد.
في 26 كانون الثاني ابلغ غازيت اعضاء لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست عن هذا الامر. وقد عرض عليهم النشاطات التي تنفذها اسرائيل في القطاع، والتي شملت حسب قوله “وسيلة ثالثة” وهي تهجير أبناء العائلات.
“لأن العائلة تقدم ملجأ وتساعد وتستخدم كوسيلة تحذير، ولأنه في منطقة مخيمات اللاجئين لا يمكن الدخول للتفتيش دون أن يكون امام المهاجم فرصة للقفز والاختفاء، اخذنا حتى الآن 27 عائلة لمطلوبين وقمنا بتهجيرهم من اماكن سكنهم ونقلناهم الى سيناء، الى أبو زنيمة. نحن نحرص على أن يكون في كل عائلة كهذه “على الاقل شخص واحد بالغ من اجل ألا نضطر الى التعامل مع نساء واطفال فقط”.
وزير الدفاع في حينه، موشيه ديان، قال إن التهجير لا يعتبر عقابا، بل هو ردع لعائلات اخرى. “هذا ليس لأنهم يقدمون ملجأ أو يساعدون المطلوب على الاختباء، بل من اجل أن العائلة الثانية لا ترغب في أن ينضم ابنها لحركة فتح”، قال. “هذا بالضبط مثل هدم البيوت. نحن نقوم بهدم البيت حتى لو كان العضو في فتح هو فقط مستأجر وصاحب البيت لا يعرف عن ذلك. وما يعرفونه في الخليل ونابلس أو في غزة هو أنه اذا انضم شخص ما لحركة فتح فان البيت في نهاية المطاف سيهدم. وفي حالتنا هذه العائلة سيتم تهجيرها”.
ديان أوضح بأن “هذه وسيلة الردع الافضل الموجودة لدينا”، وشرح: “نحن نأمل أن هذه العائلات التي ذهب اولادها لفتح في نهاية الامر سيقول الوالد فيها – اذا ذهب احد الابناء الى فتح فهم سيقومون بتهجيرنا جميعا الى أبو زنيمة”.
وقد اوضح بأن هذه الوسيلة تستخدم فقط في الحالة التي لم يتم فيها اعتقال المطلوب. “هذا ما يحدث عندما لا ننجح في اعتقال الشخص نفسه. لأنه اذا قمنا باعتقاله فنحن لا نأتي الى العائلة ونشتكي من اخفائها له”، قال ديان.
عضو الكنيست جدعون هاوزنر، المستشار القانوني الأسبق للحكومة، انتقد اخلاء العائلات. “التوجه العام هو أنه سيتم تحمل الشر، وأنه في النهاية للطيب سيكون الامر جيدا وللشرير سيكون الامر سيئا”، قال “أنا اسأل عن اخلاء ابناء العائلات. الحديث لا يدور عن عائلة نعرف أنها ساعدت بالفعل ابن العائلة المهاجم. الحديث يدور عن عائلات مطلوبين، نفترض أنها ساعدت المقاتلين على الاختباء. أنا أعتقد أن اخلاء هذه العائلات، مع كل الفائدة لذلك، وكأننا نغلق امام المهاجم امكانية الاختباء والحصول على المساعدة، فإن النتيجة تكون خاسرة. في الوقت الذي يكون فيه دليل على أن عائلة قدمت بصورة منهجية غطاء كهذا، يجب فعل كل ما يمكن ضدها. ولكن اذا كان الامر يتعلق بعائلة مشتبه فيها فقط بأنه يمكن أن تفعل ذلك فإن هذا أمر خطير”.
في شباط 1971 سمحت اسرائيل لأعضاء الصليب الاحمر بزيارة المعسكر. اعضاء الوفد التقوا مع ممثلي 23 عائلة، 140 شخصا، من بينهم 87 طفلا، جميعهم من سكان القطاع. الممثلون كتبوا في مذكرة لمقر المنظمة في جنيف بعد الزيارة: “كل ذنب هؤلاء الاشخاص هو أن شخص من اقربائهم اعتبر مقاتل. ولكن الطفل ابن السبعة اشهر أو الأم ابنة الثمانين هل يمكنهم فهم لماذا هم يوجدون هناك؟”. واضافوا “المشكلة الاكبر هي الحالة النفسية. الناس هنا يأملون أن يكون اخلاؤهم مؤقتا”.
بعد ذلك التقى ممثلو الصليب الاحمر مع غازيت مرة اخرى وعبروا له عن قلقهم مما اعتبروه ظروف “غير محتملة تقريبا” في المعسكر. غازيت رد عليهم بأن “هذه العائلات معزولة من اجل منعها من تقديم غطاء لأقربائها المطلوبين لعلاقتهم بالهجمات”. وقد اوضح بأن هذه الوسيلة ثبتت فعاليتها في اعتقال المطلوبين، وأنه بعد اعتقال المطلوب فإن ابناء عائلته يطلق سراحهم من المعسكر وتتم اعادتهم الى غزة. واضاف أنه على خلفية نجاعة هذه الطريقة، لم يتم تحديد موعد لوقف استخدامها.
بعد زيارات اخرى لمن تم تهجيرهم ابلغ احد موظفي الصليب الاحمر بأنه “مصدوم من عدم رحمة سلطات الجيش الاسرائيلي تجاه هذه العائلات”. حسب قوله، تسع عائلات توجد هناك منذ اشهر طويلة، حتى بعد أن ثبت بأن اقرباءها المطلوبين غادروا القطاع وتم هدم بيوتهم. “يبدو أنه فقط شلومو غازيت أو اريئيل شارون هما المسؤولان عن هذه السياسة. من يستطيع التأثير على المسؤول عنهم، موشيه ديان، في هذا الامر؟”، سأل في شهر تشرين الاول رئيس وفد الصليب الاحمر في سيناء. “الموظفون الاسرائيليون الآخرون الذين التقينا معهم يعارضون هذه السياسة”.
معسكر ناحل حمل هو ايضا اسم البلدة التي اقيم فيها، التي تقع في وسط شبه جزيرة سيناء على بعد سبع ساعات سفر عن مدينة غزة. وقد تم تخصيصه للشباب العاطلين عن العمل، الذين لم يتم اتهامهم بأي شيء. “عملية اخرى قمنا بها، ربما تكون متطرفة اكثر”، قال غازيت في نقاش امام اعضاء لجنة الخارجية والامن. “هي عملية ضد العاطلين عن العمل”.
“هناك تقريبا 10 آلاف شخص، الذين هم في الواقع غير مرتبطين بدائرة العمل. عدد كبير منهم، أو معظمهم، هم في اعمار 18 – 30، وأنهوا الثانوية دون ايجاد حل ولا يوجد لدينا حل من اجلهم. لأنهم اعتادوا على الخروج من اجل اكمال دراستهم في الجامعات، والآن اغلقوا امامهم هذه الابواب”، قال غازيت للجنة. وقد برر ارسال مئات الابرياء الى معسكر اعتقال في وسط الصحراء وقال: “إن التجول الحر لهؤلاء الشباب في الشوارع هو مدخل يستدعي تجنيدهم للتنظيمات. وايضا تشكل خطر حقيقة أنهم يتجولون في الشوارع الرئيسة ويطلقون النار ويلقون القنابل أو يقومون بأي نشاط آخر”.
بناء على طلب معهد “عكفوت”، كشف ارشيف الجيش الاسرائيلي ملفات مرتبطة بنشاطات معسكر ناحل. المعلومات التي توجد فيها هامشية في اساسها، لكنها تسمح بإلقاء نظرة رسمية على ما حدث هناك. يتبين أن هذه النشاطات شملت تدريبا مهنيا تم تقديمه من قبل سكان مخيمات اللاجئين في القطاع ومديرهم الاسرائيلي، في مجال البناء. في التقرير الذي كتبه مدير “مركز التدريب” يتبين أن الـ161 معتقلا في المعسكر كانوا في معظمهم من ابناء 16 – 21، وهم طلاب ليس لديهم مهنة.
نائب مدير عام وزارة الخارجية، موشيه ساسون، تطرق هو ايضا الى هذا الموضوع في مذكرة أعدها كتب فيها أن هدف نشاطات اسرائيل هو “تعويق نشاطات المهاجمين في القطاع عن طريق خلق ضغوط مختلفة”. ومن الوسائل التي عدها “الضغط على الكثير من السكان في المخيمات الذين لا يتعلمون ولا يعملون، بهدف تشجيعهم على الانتقال الى حياة انتاجية في يهودا والسامرة”. وحسب قوله، “هؤلاء الاشخاص العاطلون عن العمل ويتسكعون في مخيمات اللاجئين، رغم عدم وجود أي تهمة ضدهم، سيتم اعتقالهم اعتقال اداري ويرسلون الى معسكر اعتقال في شبه جزيرة سيناء. هم يستطيعون التحرر من المعسكر اذا اظهروا الرغبة في الانتقال الى يهودا والسامرة والعمل هناك. من المرجح أنه في اليوم الاول واليوم الثاني سيعتقل 100 – 200 شاب، وبعد اعتقالهم سيعرف العاطلون الآخرون أنه يمكنهم إنقاذ انفسهم من الاعتقال اذا ذهبوا للعمل في يهودا والسامرة”.
إن الاطلاع على هذا البند جعل اعضاء معهد عكفوت يشكون أن الامر يتعلق بشهادة مكتوبة عن استراتيجية اسرائيل لتخفيف عدد سكان قطاع غزة. “منذ احتلال القطاع في 1967 عملت اسرائيل بطرق مختلفة من اجل تقليل عدد اللاجئين في القطاع”، قال المدير العام للمعهد، ليئور يفني. وفي نفس الوقت، المزاج العام في اوساط واضعي السياسات هو أن القطاع سيتم ضمه في المستقبل لدولة اسرائيل. لذلك، يجب فعل كل شيء من اجل أن يتواجد فيه العدد الاقل من اللاجئين الفلسطينيين”. وحسب قوله، “المعسكر في ناحل تم تخصيصه لمنح الشباب الغزيين تأهيل مهني في مجال البناء وتشجيعهم على الموافقة على الانتقال الى الضفة الغربية مقابل اطلاق سراحهم من معسكر الاعتقال”.
المعسكران تم اغلاقهما في نفس السنة. كل المعتقلون في أبو زنيمة تمت اعادتهم الى قطاع غزة. المعتقلون في ناحل لم يحققوا أمل الاسرائيليين ولم يظهروا أي اهتمام بالهجرة الى الضفة الغربية. اجمالي النشاطات لاستئصال العمليات ثبت أنه ناجع بالنسبة لاسرائيل: خلال 15 سنة تقريبا وحتى اندلاع الانتفاضة الاولى في 1987 تم الحفاظ على الهدوء النسبي في القطاع.
“طرد ابناء العائلة النووية”، كتب في اقوال التبرير لمشروع القانون، “لا يوجد أي شك في أنه سيستكمل رزمة الردع التي ستردع مهاجمين، وايضا تجعل ابناء عائلات الماتلين يمنعون ابناءهم من تنفيذ عمليات. وتهجير عائلات المقاتلين سينقذ بنظرة نحو المستقبل حياة مواطني اسرائيل”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock