أفكار ومواقف

في قياس وفهم الرضا والثقة

تتبادر استطلاعات الرأي بتلقائية وبداهة لقياس حالة الرضا والثقة لدى الناس بسؤالهم مباشرة عن رأيهم وتقديرهم حول مجموعة من المؤسسات والقضايا، وهي بالطبع إجابات تعطي الباحثين والمخططين فكرة عن أثر السياسات والحالة العامة على حياة الناس، لكن الثقة تحلّ في الاقتصاد والاجتماع على نحو أعمق من تقدير وقياس رأي المواطنين، فالثقة تتحول اليوم إلى الأساس الجوهري للتنظيم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي للأمم، ذلك أن الشبكة في تغييرها لدور وعلاقات السلطة والمواطنين، كما غيرت الأسواق والموارد، تنشئ ضرورة قصوى لقيم جديدة تنظم حياة الناس وأعمالهم حول الشبكة، فالبيع والشراء وتحويل الأموال وتوفير السلع والخدمات من خلال الشبكة يحتاج إلى منظومة ثقة قوية تمكن الأعمال والمؤسسات من العمل والتدفق بسهولة من غير أعباء مؤسسية وقانونية مرهقة، ولذلك فإن مؤشرات الثقة صارت تأخذ أبعادا قياسية أكثر تعقيدا من استطلاعات الرأي، وتتجه إلى الاعتماد على البيانات الضخمة والإحصاءات والمسوح الشاملة والدقيقة، والتي وإن كانت تبدو غير مباشرة فإنها تقدم رؤية عميقة وأكثر صحة للثقة، فعلى سبيل المثال تؤشر أرقام ومعدلات ومستويات الجريمة والسجون والنشر والثقافة والفنون ومستوى التعليم والصحة والسلوك الاجتماعي وقضايا المحاكم إلى استنتاجات مهمة للسياسيين والمستثمرين والمخططين حول الثقة بالأعمال ومستقبلها.
ويمكن أيضا الاستدلال على الثقة على نحو مباشر بملاحظة الشركات المساهمة ونسبتها إلى الشركات العائلية، وحجم التداول من خلال الشبكة وبطاقات الائتمان. ولنلاحظ أن اسمها المباشر مستمد من الثقة. هكذا يؤشر أيضا بصعود قيم الثقة والإتقان كرأسمال اجتماعي يحمي المنظومة الاقتصادية والاجتماعية الجديدة بصعود الفردية كمحرك للأسواق والقيم والسياسة، ففي الأعمال والعلاقات المتشكلة عبر الشبكة أو المستمدة من اتجاهات وتأثير الفرد؛ لا يحمي الأسواق والمصالح الناشئة سوى الثقة والإتقان، فالفرد الذي ينشئ عبر الشبكة أو بذاته مصالحه ويقدم نفسه إلى الآخرين ويعمل ويبيع ويشتري لا يجد ما يديم هذه المنظومة الهشة أو غير المرئية سوى الثقة والإتقان، والأسواق والمؤسسات التي تقدم نفسها اليوم عبر الشبكة تجد نفسها متجهة إلى الفرد، كل فرد على حدة لتنال ثقته.
وبالطبع لم تكن منظومة الثقة والإتقان غائبة عن الأسواق والأعمال كما أن الشجاعة والكرم لن تغيب أيضا في حضارة الفرد ومجتمعاته، لكن يتغير توزيعها وأهميتها الاقتصادية والاجتماعية بل وتتغير معانيها وتطبيقاتها أيضا، فالكرم يتجلى اليوم أكثر ما يكون في العمل التطوعي والخدمة العامة وتبادل المعرفة والمهارات والتعاون المهني والاجتماعي.
عندما صعدت المجتمعات في مرحلة الصناعة بديلا للمؤسسات الدينية والإقطاعية كان متوقعا أن تتفكك المنظومة الدينية والأخلاقية الحامية للقيم والمجتمعات والأعمال، لكنها (المجتمعات) كانت بديلا كفؤا وفاعلا، ولم ينحسر الدين كما لم تتلاشى الأخلاق، وفي صعود الفردية بديلا للمجتمعات والدولة فإن الضمير هو الضامن والبديل المتماسك والمتوقع ليعيد تنظيم وتطبيق القيم والأخلاق على النحو الذي تواصل به الإنسانية خط سيرها الطبيعي في الارتقاء والتطور، ولا يخلو المسار بالطبع من المشكلات والأزمات والخسائر، لكن يمكن الاستدلال والملاحظة كيف صعدت على نحو غير مسبوق قيم حقوق الإنسان والحريات والبيئة والعالمية والمشاعية المعرفية، وكيف تتزايد فرص النساء والفئات الخاصة التي كانت مهمشة ومستغلة في الأعمال والمواقع والمساواة والتأثير والتعبير عن ذاتها.
وبطبيعة الحال، وكما يؤكد التاريخ، فإن نهاية مرحلة وابتداء مرحلة جديدة تصحبها انهيارات وكوارث، فالقوى الإيجابية الفاعلة ليست جاهزة لتحل مكان المنظومات السابقة التي هيمنت على الحياة والأعمال والأفكار والقيم، هكذا ففي انسحاب الدولة والمجتمع تصعد العشائر والطوائف والجماعات الدينية وجماعات الأتاوات، وتكون الصراعات الأهلية والدينية، كما تنشأ تحالفات ضدية بين الجماعات والأفراد والشركات، ويمكن في هذا السياق ملاحظة كثير من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية الجديدة حولنا، مثل الفوضى والاكتئاب والانتحار والاتجار بالبشر والسلوك غير الاجتماعي، لكن يمكن أيضا في هذا الركام ملاحظة كثير من الظواهر الإيجابية الجديدة، مثل الأعمال والخدمات الجديدة في النقل والعمل والتعليم والتأثير، والجدالات والتفاعلات الشبكية حول القضايا والأفكار الدينية والوطنية والثقافية والتواصل الاجتماعي وتبادل المهارات والمعارف بيسر وفاعلية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock