آخر الأخبار حياتناحياتنا

في “مناهج النقد الأدبي”.. شكري ماضي يختبر نصوصا عربية “قديمة وحديثة”

عزيزة علي

عمان- يقول الناقد والأكاديمي الفلسطيني د.شكري عزيز ماضي، إن كتابه “مناهج النقد الأدبي- مقدمات- نصوص- تطبيقات”، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، يتميز بالإحاطة والشمول والدقة واللغة المنضبطة الواضحة، وبتطبيقاته المتنوعة لمناهج النقد الأدبي، وبفحص المفاهيم والتصورات ومنطلقات كل منهج، وببيانه مدى فاعلية الأدوات والخطوات الإجرائية في تناول النصوص وتحليلها ونقدها.
يشير ماضي، في مقدمة كتابه، إلى أنه قام بتطبيقات عملية على نصوص إبداعية عربية قديمة وحديثة شعرية ونثرية، واختبر من خلالها مناهج النقد الأدبي الراسية والفاعلة في حقل النقد الأدبي من مثل “النقد الكلاسيكي، الرومنسي، التاريخي، النفسي، الأسطوري، الواقعي السحري، الاجتماعي، الجمالي”؛ واختبر تيارات أخرى مثل: “النقد البنيوي، والنقد ما بعد البنيوي (التفكيك)، والنقد الثقافي، والنقد النسوي، والأسلوبية، والقراءة التأويلية، ونقد ما بعد الكولونيالية”.
ويتحدث المؤلف عن أهمية هذا الكتاب في تحقيق مجموعة من الأغراض العلمية والنظرية، التي تتمثل في: ضبط الفوضى المنهجية التي تتجلى مظاهرها فيما يلي “عدم التفريق بين النهج، والمنهج، والمنهجية”، موضحا أن المنهج هو طريقة أو أسلوب في التعامل مع المادة المدروسة من حيث الترتيب والتنظيم والتنسيق والتوثيق والانتقال من الخاص إلى العام أو من العام الى الخاص”.
ويوضح ماضي الفروق بين كل منهما مثل؛ النهج فهو “النهج الأكاديمي”، الذي يتبع في كل البحوث والرسائل الأكاديمية. أما المنهج فهو مجموعة من المفاهيم والتصورات والأدوات والخطوات الإجرائية والمعايير المتسقة، ما يمنحها القوة والعمق، والمستندة إلى إطار فلسفي ما، فالمنهج بهذا المعنى -كما يبينه المؤلف- هو رؤية، وهذه الدلالة الاصطلاحية لا تتطابق مع الدلالة اللغوية، وهو أمر ذائع، من أن المنهج “الطريقة”، أما المنهجية فهي العلم الذي يدرس المناهج ويفحص مقولاتها ومعاييرها وتوصف بأنها أعلى مراتب العلم.
ويرى المؤلف أن هناك خلطا بين المنهج -بالدلالة الاصطلاحية السابقة- وبعض مكونات المنهج “الأدوات الأساسية” والنظر إلى هذه الأدوات، بحد ذاتها باعتبارها منهجا مثل “الاستقراء/ الوصف/التحليل/ الإحصاء”، لافتا الى أنه كثيرا ما نقرأ في مقدمات الكتب والبحوث والرسائل الجامعية عبارات من “المنهج الاستقرائي”، “المنهج الوصفي”، “المنهج الوصفي التحليلي”، “المنهج الإحصائي”، “المنهج الأسلوبي”، “المنهج التأويلي”…، وكل هذه الأدوات تعد أساسية ومركزية في الدراسات والبحوث الأدبية والنقدية واللغوية وهي عماد البحث العلمي وقوامه.
وينوه ماضي الى أن المزج بين المناهج النقدية “المتنوعة والمتعارضة”، بدعوى المرونة ومراعاة خصوصية الأدب ومادته، يتجلى في الانتقاء والاقتطاف من هذه المناهج، هكذا يتم الجمع -مثلا- بين المناهج المتعددة في دراسة نص واحد مثلا: فالطل -مثلا- يتطلب المنهج النفسي، والرحلة وما يرافقها تفرض المنهج التاريخي، والصورة والاستعارات والتشكيلات اللغوية لابد لها من الاستعانة بالمنهج الجمالي، وهكذا يتم التسليم بمنطوق النص. والتضحية بمنطقه الفني ووحدته “وحدة التجربة المصورة/الرؤية الفنية”؛ إذ يفتقد هذا المزج أو الجمع إلى تصور متسق لمصدر الأدب وماهيته ومهمته.
ويعتبر المؤلف أن الجمع يتم من دون الأخذ بعين الاعتبار أن هذا المناهج متعارضة في منطقاتها وغاياتها وفلسفاتها. فالجمع بين المناهج -ظاهرة منتشرة جدا- فهو لا يحل الأزمة المنهجية التي يعاني منها واقعنا الأدبي والنقدي؛ إذ هو في حقيقة الأمر أحد مظاهرها، فالجمع بين المناهج لا يؤدي إلى منهج جديد.
ويؤكد أن المزج بين النظريات: لا يؤدي إلى إبداع نظرية أدبية جديدة، ويكفي أن يؤكد المرء هنا أن الانتقاء والاقتطاف يعني غياب المنهج، وأن تعدد المناهج وتنوع منطلقاتها وأهدافها وفلسفاتها ورؤاها دليل على الصراع فيما بينها، وهو صراع يؤكد صعوبة المزج أو الجمع فيما بينها.
ويتحدث ماضي عن النزوع الليبرالي الذي يقصد به ظاهرة الانتقال -انتقال الناقد الواحد من منهج إلى آخر- وأحيانا من منهج إلى المنهج النقيض. ويتم هذا الانتقال على سبيل التجريب -تجريب المنهج الواحد بدلا من الانتقاء والاقتطاف من هنا وهناك– من أجل التعرف والتعريف. والتعرف على مدى نجاعة المنهج الواحد الغربي في تحليل نص إبداعي عربي له منطقه الفني وسياقه الخاص، وتعريف القارئ العربي بالمناهج النقدية الجديدة التي تظهر في الغرب.
وإذ كما يوضح المؤلف يجعلنا نقرأ لنقاد كبار لهم شأنهم في الكتابة حول “التفسير النفسي للأدب”، في فترة زمنية قصيرة لاحقة. كما نقرأ للناقد نفسه حول “الشعر في إطار العصر الثوري”، ونقرأ الناقد آخر “النظرية البنائية”، وبعده “منهج الواقعية”، الا أن محاولات النقد العربي في التعامل مع المناهج والتيارات الغربية انتهت -في العقود الأخيرة من القرن العشرين- إلى التبني الكامل للمناهج والتيارات الغربية بدعوى: الأدب العالمي، والنقد الكوني، والثقافة الإنسانية الواحدة.
ويرى المؤلف أن العرب تبنوا البنيوية بعد أن انتهائها لدى أصحابها الغربيين، وتبنينا “التناص” بعد أن تخلى عنه رواده الغربيون، وتبنينا وتحمسنا لنظريات التلقي بعد أن أدرك مؤسسوها أنها وصلت الى طريق مسدود فانتقلوا إلى أفق آخر هو نظريات الاتصال، لافتا الى أن الانبهار بالغرب هو دلال على التبني وعلى استفحال الفوضى والأزمة في المنهجية.
ويرفض ماضي التبني لأنه كما يقول “يغيب الخصوصية”؛ أي خصوصية الأدب العربي ومشاكله ومواقفه وأيضا التبني يرسخ للتبعية، لافتا الى أن ضبط الانبهار -بالغرب- عملية تؤكد تبديد طاقات إبداعية عديدة، ولهذا جرى تقديم المناهج والتيارات النقدية بصورة علمية محايدة وأسلوب يسهم في ضبط عملية الانبهار -بالغرب- وهي عملية تؤدي إلى تبديد طاقات إبداعية عديدة، ولهذا جرى تقديم المناهج والتيارات النقدية بصورة علمية محايدة وأسلوب يسهم في إدراك منطلقاتها وإطارها الفلسفي وخطواتها الإجرائية ومعاييرها وأسباب تعددها والصراع فيما بينها، وهيمنتها في مرحلة ما وانزوائها.
ويضيف أن التطبيق والتقويم يأتيان من أجل اختبار هذه المناهج وفحص مدى ملاءمتها ونجاعتها في تحليل النص الإبداعي العربي واكتشاف أنظمته المتعددة مثل: نظام الخيال، والواقع والتواصل، وهذه كلها تسهم في تمثل المناهج والإفادة منها بدلا من اتباعها أو محاكاتها أو الانبهار بها.
ويلفت ماضي الى أن الشكوى المستمرة من وجود كتب وبحوث نظرية حول مناهج النقد الأدبي، وخلوها -في الأغلب- من الجانب التطبيقي، لذلك كما يقول المؤلف جاء هذا الكتاب بالتطبيق، من أجل التفاعل مع النصوص الإبداعية العربية، ويقوم هذا التفاعل بتحقيق أغراض علمية وأكاديمية وتربوية؛ اذ يسهم في بيان قدرات المنهج وما يعتورها، وفي استخلاص المصطلحات الأدبية والنقدية، واستخدامها، بدقة، وقد يسهم في البحث عن أفق نقدي جديد يشتق معاييره من خلال العكوف على نصوص الحركة الإبداعية العربية “وخصوصيتها”، مع الإفادة من الإنجازات النقدية العالمية.
وأكد الاهتمام بالتطبيق، وهو جانب قد يحقق، الى جانب ما ذكره قدرا من التوازن؛ اذ يهيمن الجانب النظري على الكثير من المؤلفات النقدية العربية والكتب المترجمة التي عرضت لقضية المناهج النقدية، وقد قدمت دراسات مفصلة للعديد من النصوص الإبداعية العربية القديمة والحديثة، الشعرية والنثرية مثل: المسرحية والرواية والقصة القصيرة والشعر “القديم والحديث والمعاصر”، كما قدمت العديد من النصوص النقدية الأساسية.
ويخلص ماضي الى أن هذا الكتاب اهتم بالتطبيق، وأن التفاعل مع النصوص الإبداعية العربية وتقويمها والتفاعل يحقق أغراضا علمية وأكاديمية وتربوية؛ اذ يسهم في بيان قدرات المنهج وما يعتورها، واستخلاص المصطلحات الأدبية والنقدية واستخدامها بدقة. ويسهم الكتاب في البحث عن أفق نقدية جديدة يشتق معاييره من خلال العكوف على نصوص الحركة الإبداعية العربية “وخصوصيتها”، مع الإفادة من الإنجازات النقدية العالمية.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock