ترجمات

في مهب الريح: المقدسيون موزعون بين المنافع الإسرائيلية والقومية الفلسطينية

سيسيليا بانيلا* – (معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى) 24/1/2019

يكشف استطلاع حديث للرأي، والذي أجري في تشرين الأول (أكتوبر) وشمل سكان القدس الشرقية، عن تغيير حاد في الرأي العام الفلسطيني حول مسألة الاندماج في إسرائيل. وكانت هذه النتيجة المفاجئة قد ظهرت للمرة الأولى في استطلاع كنا قد أجريناه في أيار(مايو) 2017، وما يزال التوجه العام يتقدم في اتجاه القومية الفلسطينية.
وفي تناقض صارخ مع استطلاعات الرأي السابقة التي أجريت في وقت غير بعيد هو العام 2015، تُفضّل الأكثرية الساحقة من سكان القدس الشرقية اليوم أن يصبحوا مواطنين فلسطينيين، حتى لو أتيح لهم خيار أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين. وقد أشار معظم المستطلَعين في القدس الشرقية في العام 2015 بنسبة 52 % إلى أنهم يفضلون أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين على أن يصبحوا مواطنين فلسطينيين -حتى ولو أمّن البلدان حقوقاً متساوية لجميع المواطنين- في حين قال 42 % من المستطلعين إنهم يفضلون أن يكونوا مواطنين فلسطينيين. وفي العام 2017، بدّل المستطلعين رأيهم المعلن في القدس الشرقية تبديلا جذريا؛ إذ أفاد 77 % أنهم يفضلون أن يكونوا مواطنين فلسطينيين. وتؤكد الإجابات عن السؤال نفسه في العام 2018 نتائج العام 2017؛ إذ يمتد هذا التوجه اليوم إلى أكثرية ساحقة من سكان القدس الشرقية تصل إلى 95 %، في زيادة ملحوظة بنسبة 51 % منذ العام 2015.
وقد انعكس هذا الابتعاد الجذري عن تفضيل الجنسية الإسرائيلية وحسناتها في مجالات أخرى أيضا. فلدى سؤالهم عما إذا كانوا يفضلون العيش في المنزل الجميل نفسه في فلسطين أو إسرائيل، قال 95 % من المستطلعين إنهم سيختارون على الأرجح المنزل الموجود في فلسطين. وبناء على توقيت هذا التغيير، ووفقا لآراء الخبراء والقادة السياسيين ومع مجموعة تمثيلية من السكان من الجانبين، يظهر أن العامل الأساسي وراء هذا الابتعاد الأخير عن إسرائيل لدى الفلسطينيين في القدس الشرقية هو البغض المتزايد للإجراءات الانتقامية التي اتخذتها إسرائيل ردا على “انتفاضة السكاكين” التي اندلعت في العامين 2015 و2016 في القدس.
وقد تشير هذه البيانات أيضا إلى نوع من الاستقطاب الأوسع أو المشاعر المتشددة ضد الإسرائيليين لدى المستطلعين؛ إذ قال 82 % إنهم لن يقبلوا بأي نسبة من اليهود مهما كانت صغيرة في دولة فلسطينية مستقلة. وأعرب حوالي نصف المستطلعين (44 %) عن معارضتهم نوعا ما على الأقل لفكرة تعزيز العلاقات الشخصية أو الحوار مع الإسرائيليين كوسيلة لتشجيعهم على عملية السلام. وقد أعرب عدد أكبر من المستطلعين عن معارضتهم الفكرة، بأكثرية وصلت إلى 60 %.
ويبرز هذا الانعدام الظاهر للثقة بالإسرائيليين أيضا في الإجابات عن أسئلة أخرى في الاستطلاع. فلدى سؤالهم أي من الخيارات الخمسة ستكون الأكثر فعالية لتقنع إسرائيل الفلسطينيين بأنها ترغب في تحقيق سلام طويل الأمد، قال 27 % من المستطلعين في القدس الشرقية إنه على إسرائيل أن توقف بناء المستوطنات ما بعد الجدار، وهو الخيار الأكثر تفضيلاً. أما الخيار الثاني، الذي حاز على نسبة 23 % من الإجابات، فهو أن سكان القدس الشرقية يريدون من الإسرائيليين إيقاف “العنف والاعتداءات اللذين يمارسهما المستوطنون”.
ولدى مقارنة هذه النتائج مع نظيرتها في استطلاع العام 2017، يتضح أن عمليات الاستيطان قد أثرت على آراء سكان القدس الشرقية تجاه إسرائيل في العام الأخير. ففي ذلك العام، لم يقل سوى 17 % من المستطلعين إن وقف أعمال البناء في المستوطنات أو العنف الذي يمارسه المستوطنون هو ما يبرهن على جدية إسرائيل إزاء عملية السلام، في حين قال 17 % من المستطلعين الشيء نفسه فيما يتعلق بوقف العنف الذي يمارسه المستوطنون.
على الرغم من ازدياد المخاوف حول عمليات الاستيطان، ما يزال سكان القدس الشرقية متفائلين جدا ببناء دولة فلسطينية مستقلة. ولدى سؤالهم عن النتيجة النهائية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، أجاب 50 % من المستطلعين أنه من المرجح أن يسيطر الفلسطينيون على كل فلسطين تقريبا “لأن الله معهم”، في زيادة بنسبة 6 % على العام السابق.
بالإضافة إلى ذلك، لا يعتبر عدد كبير من سكان القدس الشرقية أن التسوية مع الإسرائيليين أمر مستحيل، على الرغم من مخاوفهم المتزايدة من عمليات الاستيطان. وفي كلا العامين، قالت النسبة نفسها من سكان القدس الشرقية -23 %- إن النتيجة الأكثر ترجيحا للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني هي التوصل إلى تسوية مع إسرائيل يتعايش فيها سكان البلدين “مع بعضهم بعضا”، وهو الخيار الثاني الأكثر تفضيلا بشكل عام. وتجدر الإشارة أيضا إلى أن بيانات العام 2018 تظهر ارتفاعا حادا في نسبة سكان القدس الشرقية المستعدين لفتح صفحة جديدة مع إسرائيل في حال تحقيق السلام؛ حيث قال 73 % منهم إنه على السلام أن يطلق فصلا جديدا في التاريخ الفلسطيني بدلا من المقاومة المستمرة، في زيادة ملحوظة بنسبة 50 % على عدد المستطلعين الذين أعربوا عن هذا الرأي في العام 2017.
بالإضافة إلى ذلك، أشار 60 % من المستطلعين في القدس الشرقية إلى أنهم يوافقون نوعا ما على فكرة “دولتين لشعبين”. وقد تناغم هذا الرقم مع أغلبية قريبة تبلغ 59 % من المستطلعين الذين قالوا إنهم يقبلون -ربما أو حتما- بتسوية على أساس “دولتين لشعبين” إذا كان المرجح أن يحقق هذا الاتفاق السلام. ويفصل هذا الاستعداد للتسوية بين البيانات التي تم جمعها في القدس الشرقية عن تلك المجموعة في الضفة الغربية وقطاع غزة. فقد أعرب هؤلاء المستطلعين عن نسبتي 28 % و45 % من الدعم، على التوالي، لتسوية مماثلة. وفي حين يبدو أن سكان القدس الشرقية أكثر انفتاحا على التسوية في الوقت الحالي، تجدر ملاحظة أن نسبة الدعم لمبدأ “الدولتين لشعبين” قد تراجعت في صفوف سكان القدس الشرقية من نسبة 70 % تم تسجيلها العام 2015.
ولدى سؤالهم عن رأيهم في حركة “حماس” كطرف فاعل سياسي وعسكري، كان المستطلعون في القدس الشرقية أقل دعما لحركة “حماس” بشكل عام مقارنة مع نظرائهم في الضفة الغربية. وسجل المستطلعون في القدس الشرقية أكثرية بنسبة
55 % من المعارضة النسبية أو الشديدة للاحتجاجات الأسبوعية التي تنظمها حركة “حماس” على الحدود، لأنها تتسبب بإصابة ومقتل عدد من الفلسطينيين. إلا أن نسبة 48 % فحسب من المستطلعين في الضفة الغربية شاركتهم هذا الرأي. وتجدر الإشارة إلى أن أكثرية المستطلعين (62 %) في قطاع غزة، و(47 %) في الضفة الغربية شاركتهم الرأي نفسه. وعلى الرغم من إدانة هذه الاحتجاجات، أعرب معظم سكان القدس الشرقية (52 %) عن دعمهم لاحتفاظ حركة “حماس” “بفصائلها المسلحة في الوقت الراهن بصرف النظر عما سيحدث”، غير أن هذا الدعم للميليشيات انخفض بعد أن سجل نسبة 70 % في العام 2017.
كما أعرب سكان القدس الشرقية بشكل عام عن آراء أكثر تشددا وقتالية حول وقف إطلاق النار بالمقارنة مع المستطلعين في المناطق الأخرى. فقد عارضت أغلبية بنسبة 55 % من المستطلعين في القدس الشرقية احترام حركة “حماس” لوقف إطلاق النار في الضفة الغربية وغزة، في انخفاض كبير بـ34 نقطة لهذا الدعم مقارنة بأرقام العام 2017. وبالإضافة إلى ذلك، دعمت أكثرية المستطلعين في الضفة الغربية وقطاع غزة وقف إطلاق النار في العامين 2017 و2018، في حين أعرب المستطلعون في القدس الشرقية عن معارضتهم لهذا الوقف لإطلاق النار في كلا العامين.
أخيرا، قال 40 % من المستطلعين في القدس الشرقية إنهم لن يدعموا استئناف مفاوضات السلام إلا إذا قدمت إسرائيل “بعض التنازلات الحقيقية” أولا. ولا يختلف هذا الرأي كثيرا بالضرورة عن الآراء في الضفة الغربية وغزة؛ حيث أعرب 52 % و50 % من المستطلعين هناك عن الرأي نفسه. وبالإضافة إلى ذلك، قال 32 % من المستطلعين في القدس الشرقية إنهم سيعارضون استئناف مفاوضات السلام مهما كانت الظروف. ويعكس هذا الواقع بشكل عام التوجه الأكبر نحو التشدد السياسي الواضح في الإجابات الأخرى التي شملها الاستطلاع، ما يشير إلى نسبة متزايدة من عدم الرضا عن الحوكمة الإسرائيلية وتدهور عملية السلام.
ولكن، على الرغم من هذه المخاوف، يظهر تفاؤل لدى الفلسطينيين في القدس الشرقية إزاء كل من مستقبل دولة فلسطينية ومستقبل العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية في حال نجاح اتفاقية السلام في نهاية المطاف. وإلى حين تحقيق ذلك، كانت أولى أولويات المستطلعين “استعادة جميع أراضي فلسطين التاريخية للفلسطينيين، من النهر إلى البحر”. إلا أن هذه الأهداف طويلة الأمد تتناقض بشكل مباشر مع الوقائع قصيرة الأمد، فازدياد التشدد السياسي في القدس الشرقية وانقسام الشعب الفلسطيني بشكل عام والإحباط المنتشر إزاء المستوطنين الإسرائيليين كلها وقائع لا تتلاءم مع أي جهود لعملية السلام.

*باحثة متدربة في قضايا الرأي العام الفلسطيني وتحليل البيانات؛ حيث تعمل مع الدكتور ديفيد بولوك في معهد واشنطن. كما أنها مرشحة للحصول على شهادة الماجستير من جامعة جونز هوبكنز في مجال الاقتصاد الدولي والسياسة الخارجية الأميركية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock