أفكار ومواقف

في مواجهة التنمّر الإلكتروني

باتر محمد علي وردم

أول حادثة اغتيال سياسي في الأردن، والتي ذهب ضحيتها الزميل ناهض حتر، ونتمنى أن تكون الأخيرة، لم تحدث فقط نتيجة إطلاق نار من قبل شخص مشحون بالعصبية والكراهية على بوابة قصر العدل، بل انطلقت من حملة كراهية وتحريض شعواء انتشرت عبر وسائل التواصل الإلكتروني، وضربت عرض الحائط بكل المحرمات السابقة في ثقافة الأردنيين السياسية والدينية، ووصلت إلى حدود التحريض المباشر على القتل، قام به أشخاص يفترض أنهم مثقفون ومتعلمون، ومنهم طبيب يعمل في أكبر مستشفى عام في الأردن.
تنبهت الدولة متأخرة لهذا الاجتياح الهائل لمخزون غير مسبوق من الكراهية عبر شبكات التواصل، وحاولت ملاحقة بعض “المحرضين على الفتنة”. لكن لم نعرف بعد مصير هؤلاء، وما هي السياسة التي يمكن أن تنتهجها الدولة في منع التحريض على العنف الموجه ضد الأشخاص والمؤسسات.
يحب المؤمنون بنظريات حرية التعبير أن يوجهوا أصابع الاتهام لكل تدخل حكومي في أشكال التعبير عن الرأي. لكن لا بد من وضع الخط الفاصل ما بين التعبير السلمي وما بين التحريض المباشر. الكلام غير المسؤول الذي نقرأه في وسائل التواصل الإلكتروني قد يقود، في نهاية الأمر، شخصا متعصبا يملك إمكانية الوصول إلى السلاح، لارتكاب جريمة اعتداء أخرى على شخصيات عامة بدأت تتعرض لحملات قريبة مما تعرض له المرحوم ناهض حتر.
الحرب المشحونة على تعديلات الكتب المدرسية، وضعت وزير التربية والتعليم د. محمد الذنيبات، والخبير التربوي ذوقان عبيدات، والزميلة زليخة أبو ريشة، في قفص اتهامات قاسية من قبل آلاف “المتنمرين الإلكترونيين” الذين استغلوا المساحات التي أوجدتها شبكات “فيسبوك” و”تويتر” وغيرهما لشن حملات وصلت الى مستوى التكفير، من دون مراعاة أي مستوى من الأخلاقيات الدينية التي يدّعي البعض الدفاع عنها. في مرحلة موازية أيضا، تعرضت الزميلة ديما فراج لحملة أخرى عبر “تويتر” و”فيسبوك”، تضمنت إساءات شخصية وصلت الى مستوى غير مسبوق من الابتذال. وجريمة اغتيال ناهض حتر التي هزتنا من الأعماق لم تؤثر على ما يبدو على جيش من المتنمرين الذين يستسهلون الجلوس وراء شاشات الحاسوب وإطلاق الأحكام القطعية، وشن حملات كراهية من دون أي إحساس بالمسؤولية.
يجب عدم السكوت على “التنمر الإلكتروني”، وإلا أصبح ظاهرة منتشرة وأصحابها يحظون بمكانة “الأبطال” في غابة وحشية من الاتهامات التي تطال العديد من الناس. صحيح أننا نطالب الدولة بالتدخل، لكن خط المواجهة الأول يجب أن يكون مدنيا.
القضاء هو الساحة الأهم لمحاربة هذه الظاهرة. من يتعرض لحملات الكراهية يجب أن يتجه للقضاء. ومع أن إجراءات التقاضي متعبة وطويلة، وأحيانا مكلفة، لكنها الحل الأمثل. لدينا في قانوني العقوبات والجرائم الإلكترونية الكثير من البنود التي يمكن أن تضع المتنمرين خلف القضبان، أو تجعلهم يدفعون ثمن تهديدهم لحياة الآخرين، عن طريق حرمانهم من حقوق أساسية لا يستحقونها وهم يهددون غيرهم. هؤلاء ليسوا نشطاء يعبرون عن آرائهم السياسية والدينية والثقافية، بل مشاريع مجرمين ومهددين للسلم الوطني. هناك حاجة لتأسيس مجموعة وطنية على شكل مبادرة طوعية لمراقبة الكراهية في الـ”سوشال ميديا”، والتبليغ عنها للمدعي العام، وأن تكون هناك مجموعة من المحامين تلعب دورا شبيها بمركز العدل للمساعدة القانونية، تقوم بدور التقاضي نيابة عن المتأثرين بحملات الكراهية.
هناك طبعا معضلة أخلاقية في هذا الصدد حول كيفية وضع المعايير بين التحريض والتعبير السلمي عن المواقف والآراء والذي يكفله الدستور. لي رأي شخصي يحق لي التعبير عنه، ولكن لا أستطيع فرضه على الآخرين أو توجيه الاتهامات لمن يخالفني، وهو أن حملات الكراهية الموجهة ضد أفراد أو شخصيات عامة في المجتمع الأردني تشكل تجاوزا للحد النهائي من حرية التعبير المسموح بها في الأردن، لأن حرية التعبير التي تقود إلى العنف يجب ألا تكون مسموحة. التعبير السياسي السلمي الذي يندرج ضمن النقد للسياسات العامة يجب أن لا يتم المساس به. لكن “التعبير” الذي يؤدي إلى التحريض على العنف والكراهية لأسباب دينية وطائفية وعرقية، لا يمكن أن يكون حرية تعبير، بل تنمر يجب أن يتدخل المجتمع والدولة معا لمواجهته.
هذه الاستجابة من المجتمع هي وحدها التي ستمنع “التنمر الإلكتروني”، وتجعل أصحابه يدفعون الثمن، بدلا من الظهور بموقع التميز والشهرة. التحريض على الآخرين ليس بطولة، وكيل الاتهامات الباطلة ليس تعبيرا سلميا عن الرأي. والخطوة ما بين العنف اللفظي والاعتداءات الجسدية التي تصل مستوى القتل، باتت ضيقة جدا، يمكن أن يقوم بها أي شخص يملك سلاحا وقدرا من التهور.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مجال التعليقات الألكترونية
    مجال التعليقـات الإلكترونية لبعض الناس أوضح بشدة حقيقة ما في الصدور وكيف تربى مجتمعنا منذ 25 -30 سنة إلى الآن وان الأحداث الأخيرة اثبتت أن نتائج هذا كانت مأساوية، كما أن من يستغل هذه الوسيلة للتحريض وتسميم المجتمع كفارس مغوار من خلف شاشة الكمبيوتر لم يكن معروفا قبل ( النت ) لانة كان جبان ونكره ليتحدث على صفحات الصحف المحترمة أو في صالونات المثقفين. ومن جهة الإعتراض على تعديل المناهج فمعظم المحرضين هم ملقنين لم يقرأوا ما قبل التعديل أو بعده ونعرف هذا من خلال كتاباتهم وأيضا لو كانوا مهتمين بمصلحة الأجيال القادمة لكانوا قرأوا مناهج أطفالهم منذ عشرات السنين. ..

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock