أفكار ومواقف

في يوم الأرض الفلسطيني..!

علاء الدين أبو زينة

في مثل هذه الأيام 1976، صادرت سلطات الاستعمار الصهيوني آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية الخاصة والمشاع التي يعيش عليها الفلسطينيون تاريخياً.

ورد الفلسطينيون بإضراب عام ومسيرات شملت فلسطين التاريخية كلها. وارتقى في المواجهات مع العدو ستة شهداء وأصيب واعتقل المئات.

وكانت السمة البارزة التي يخلدها الفلسطيينون سنوياً لتلك الأحداث هي اشتراك أصحاب فلسطين المحتلة كلها في الفِعل المقاوم.

في احتجاجات حي الشيخ جراح، وبعدها الهجوم الوحشي على غزة، أعادت وحدة الفلسطينيين في كل فلسطين التاريخية التأكيد على تعريف القضية الفلسطينية ووحدة المصير الفلسطيني.

ولا يتعلق الأمر بتعريف أصحاب فلسطين التاريخيين لوطنهم وماهيتهم، فهي شأن وجودي مفروغ منه. لكنها تريد أن تذكر بذلك مختلف الجهات التي تجتهد في صياغة تعريفاتها الخاصة المتغيرة لوطن الفلسطينيين وهويتهم.

وإذا كان ذلك يهم، فإن بعض الفلسطينيين يشاركون –عن براغماتية أو قناعة مرَضية خائنة للذات- في تعريف فلسطين بأنها أقل من ربع الأرض بين البحر والنهر، والفلسطينيين بأنهم سكان هذه المناطق فحسب.

ويُخرج ذلك من الفلسطينية كل أصحاب فلسطين ما قبل 1948، ويجردهم من حقهم في العودة والمطالبة ببلدهم، ويطالبهم بأن يبحثوا لأنفسهم عن أوطان وهويات أخرى.

في الأيام الأخيرة، نفذ فلسطينيون فرادى عمليات ضد المستعمرين الصهاينة في مناطق 1948. وقد استشهدوا جميعاً، كما كانوا يعرفون.

لكنهم أعادوا بدمائهم تعريف فلسطين، وذكروا العدو بأنه لن يستقر ولن يأمن على أرض الفلسطينيين.

وفي الحقيقة، لم تكن ردود الفعل حتى محايدة. وصف مسؤولون عرب هذه العمليات بأنها «إرهابية». بل وصفها الرئيس الفلسطيني بأنها كذلك.

وهذه التقييمات تساوي بتجن بين فعل الاستعمار وفعل المقاومة. وليست في هذه المقارنة عدالة، ولا حتى اعتراف بشرعية مقاومة الاحتلالات كما تجيزها القوانين الدولية.!

بالنسبة للفلسطينيين، كل فلسطين التاريخية ميدان معركة لن تتوقف بين مستعمِر ومستعمَر. وفي حالة الاستعمار، لا مجال للخلط بين المعتدي والضحية.

بين العنف من أجل الإخضاع والمصادرة والإبادة، و»العنف» من أجل الحرية والحياة والتخلص من الاستعمار. هذا الجزء من تعريف الأشياء هو الذي يستخدمه العالَم اليوم للفرز في أوكرانيا.

لو نسف أوكراني اليوم مبنى يسكنه «مدنيون» روس جلبتهم الدبابات الروسية وأسكنتهم محل الأوكرانيين في شققهم، لاعتُبر ذلك فعل مقاومة باسل لا لبس فيه.

ليس ثمة مدنيين وعسكريين عندما يكون هؤلاء جميعاً مكونات مشروع استعمار في أرض الآخرين، ومشاركين نشطين في مصادرة ممتلكاتهم وتشريدهم وإجازة قتلهم كـ»واجب وطني وديني».

المشكلة في الذين يدينون مقاومة الفلسطينيين بلا خجل ويصفونها بالإرهاب هي أنهم لا يستطيعون حتى تخيل وضع أنفسهم محل الفلسطينيين.

هؤلاء الذين يتحدثون عن الواقعية ومنح السلام للمغتصب القاتل وتجاهل الضحية، لن يجيبوا عن السؤال: ماذا ستقول وتفعل سيادتك إذا احتُل وطنك وطُردتَ منه أو أصبحت رقبتك تحت بساطير محتلين غرباء؟

لن يجيب بأنه سيقبل بالأمر الواقع ويعتنق السلام ولن يقاوم. سوف يعني مجرد قوله ذلك بأنه بلا ناموس. سوف يعني خيانة الذات والوطن والمبادئ وقبول الذل.

لن يقول إنه سيفرق بين «مدنيين» وعسكريين عندما يتعلق الأمر بالأشخاص الذين يسكنون في بيته المطرود منه. أما الفلسطينيون، فيجب أن يخرسوا ويسكتوا. يكفي ما ضيعوه على العرب طوال عقود من بركات التعاون مع الاستعمار في أرضهم.

إنه في الأخير «جزء من المنطقة» يجب أن يكون طبيعياً ويتم التعامل معه كذلك. ولا مانع من قراءة الفاتحة على قبر مؤسسه والدعوة له بالرحمة والجزاء على الخير.

الحياة بلا وطن ولا حياة وتحت الاحتلال المذل ليست حياة. إنها حياة تشبه الموت.

لن يظل لديك ما تخسره. هذا ما يقوله الفتيان الفلسطينيون – ليس القتلة بالجينات- وإنما الذين تدفعهم مرارة لا تطاق إلى اختيار الموت الأكيد عندما يهاجمون عدواً مدججاً بسكانين، أو حتى ببندقية في قلب مؤسسة أمنية وعسكرية وحشية مسلحة حتى الأسنان.

لا يتعرض الفلسطينيون «الإرهابيون» فقط لإرهاب الكيان الاستعماري وعنفه الوحشي. إنهم يواجهون إرهاب الذين يدينون مقاومتهم ويساوونها بالإجرام.

الذين يحثونهم على القبول بما يقبلونه لأنفسهم – أو أنهم يقبلون؟ كيف لا يكون إرهابياً مَن يتحالف مع مستعمِر وحشي صريح ويعد بالتعاون معه للقضاء على «الإرهاب» الفلسطيني – يعني القضاء على الوجود الفلسطيني؛ حق شعب حر شريف المشروع في الوطن والهوية والحياة والحرية؟

المقال السابق للكاتب 

نموذج مادلين أولبرايت..!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock