أفكار ومواقف

“فِقه الكعكة” والصوت المدني

شامخاً يظل عرار، كأول مثقف أردني دافع عن مفهوم المواطنة، إذ خاطب المجتمع من خلال المُدّعي العام ليذكره “أن الهبر؛ زعيم الغجر، وإن كانت كسوته ممزقة وهيئته زرية، يستحق معاملةً متساوية مع الآخرين، باعتبار الهبر مواطنا مثلي ثم مثلك أردني التابعية”.
العشيرة الأردنية كانت رافِعةً للدولة المدنية. وتخلّت العشائر الأردنية طواعية عن مكتسبات وحكومات محلية في شمال الأردن وجنوبه، لصالح تشكيل الدولة بمفهومها الدستوري. وتشكل الأردن بروحٍ قومية، حتى إن أول رئيس وزراء في الأردن كان لبنانياً درزياً.
معظم حزبيي الأردن من بيئة عشائرية، وقد عارضوا الحكومة وأقاموا مشروعهم السياسي الأيديولوجي بأفقٍ قوميّ أو أممي. والحقيقة أن الأردن لم يكن حاضراً في برنامجهم النضالي كحضور سورية أو العراق، ناهيك عن القضية الفلسطينية التي تبناها الأردنيون ليس كقضية “شعب شقيق”، بل كقضيةٍ وطنية أردنية بوعي سياسي أن المشروع الصهيوني هو التهديد الأول لكيان الأردن.
انكفأ الأفق السياسي الأردني نحو الداخل، أمام تهديدات حقيقية للأردن، وصار الحفاظ على الكيان الأردني جغرافياً وسياسياً أولوية وجودية. وإن بدا هذا الإنكفاء في بداية الأمر مشروعاً، ولكنه وبفعل تضخيم وتجذير مفهوم الريع واقتصاد الريع وتبني الدولة لهذا المفهوم، بات الفكر السياسي يقوم على تقسيم المكتسبات. وتحت شعار “حصتنا من الكعكة”، تم ترسيخ ذهن سياسي جديد قائم على “فقه الكعكة”، وأشيع أن العشيرة “واصلها حصتها”. لكن في الحقيقة تم استغلال العشيرة لصالح بعض المتنفذين فيها، فـ”فقه الكعكة” لم ينصف العشيرة، إذ تجد أغلب مناطق جيوب الفقر والمدارس الأقل حظاً تقع في مناطق “العشائر”. وأثبت “فقه الكعكة” أنه شعار للاستغلال من البعض، أكثر منه شعاراً لتوزيع عوائد التنمية، وهو مطلب عادل ومدنيّ حضاري.
إن أتباع هذا الفقه فرعوا له فروعاً لمسائل تطبيقية، مثل توارث المناصب أو المهن أو “الهت” على الدولة والمجتمع. وآخر تجلياته توظيف النواب لأبنائهم استثنائياً وتطبيقاً لمفهوم “الله أكبر! ما بطلعلنا نوظف ولد بهالدولة”. الخطير أن أغلب الشباب الطامح للعمل السياسي ليس بعيداً عن “فقه الكعكة”، وهم يجهرون أنهم يستحقون المناصب وأصوات الناخبين والشهادات العلمية والوظيفة العامة، ليس سندا للكفاءة، وإن كانوا في أغلب الأحيان يملكونها، ولكن سنداً لـ”فقه الكعكة”، حيث يؤمنون أن طموحهم السياسي لن يتحقق إلا بالاستناد إلى رافعة عشائرية بحتة.
جلالة الملك عبر عن توجهه السياسي المدني للأردن، القائم على توزيع عوائد التنمية، وإقامة دولة مدنية عمادها سيادة القانون وتكافؤ الفرص. وهو يجهد لجعل هذا البرنامج برنامجاً للدولة الأردنية ومؤسساتها. ولعل تعديل قانون الانتخاب وتجاوز “الصوت الواحد”، محطة مهمة في طريق تحقيق هذا التوجه. وأجزم أنه لن يكون آخر إنجاز، ولكن تحقيق التوجه المدني على الأرض يحتاج إلى رافعة شعبية تحمل هذا التصور.
نحتاج لأحزاب وشخصيات تنادي وتؤمن وتؤسس للدولة المدنية ومؤسساتها التي تقوم على سيادة القانون، وعلى رفض “فقه الكعكة”؛ نحتاج شخصيات تؤمن قولاً وعملاً، سراً وجهراً، بحقوق المواطنين الدستورية والقانونية، وتناضل في السر والعلن من أجل رفض كل أشكال التمييز بين المواطنين، مع تأمين عدالة تكافؤ الفرص. فأخطر الجهات على الدولة المدنية هم من يحملون أفكار الدولة المدنية وسيادة القانون شعاراً؛ وتجدهم في سرهم وحياتهم الشخصية قمعيون لا يؤمنون بسيادة القانون ولا بالرأي الآخر.
أتباع “فقه الكعكة” أفقروا الوطن والعشائر والمناطق العشائرية، ولا خلاص إلا بالدولة المدنية وسيادة القانون، باعتبارهما ضمانة محاربة الفساد وتوزيع حقيقي لمكاسب التنمية. والأهم -وقبل توزيع مكاسب التنمية- خلق التنمية ذاتها وتعظيمها. بقي أن نقول إن “الكعكة” ليست من تراث الأردن، وإن تراث الأردن وصوت الشعب الأردني هو صوت عرار وهو يُناضل في بداية القرن العشرين للأردن المدني القائم علي حقوق المواطنة بموجب التابعية، أي الجنسية الأردنية. وننشد مع عرار “فالهبر مثلي ثم مثلك أردني التابعية”.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock