أخاف من الحشرات الزاحفة، بل إنّ صعود الحشرة الشقراء إلى ساعدي عند الواحدة صباحاً قد يُسكتُ قلبي السكوت الأبديّ. إن فتحتُ النافذة عند الساعة الثانية بعد الشمس، سيدفعني طير رماديٌّ على حبل الغسيل، خمس خطوات فزعة إلى الوراء، قبل أن أتذكر أنّ ميزان القوة في صالحي، وأنّ الطائر كان سيجفل ويبتعد لو ثبت في مكاني. إذاً لا تسألني عن الكلاب، البلديّة أو المنزلية، ولا عن القطط، حتى تلك السمينة المدللة في البيوت، فمرّة نفضتُ مائدة الطعام بقدميّ، لأنّ قماش بنطالي السميك احتكّ بشَعر قطة استأنستني.
ليس هذا كلّ ما في قائمة الخوف، فأنا كائن مبرمج على تفادي الصفعة. أشتبه بكل كف تقترب من وجهي، حتى لو كانت أصابع امرأة تنوي تحسّس لحيتي. أرتاب بقدوم زائر عابس إلى العمل، وأفترض أنه عسكريّ بثياب مدنية، وجاء لاقتيادي إلى غرفة تحت الأرض، عقاباً على ذنب لا أجرؤ على اقترافه. أخشى تلقّي حقنة في الذراع، فأسألُ عشرة مجرّبين أن يصفوا لي الألم، وأيّ الآلام يُشبه، ثمّ أسأل محامياً عن عقوبة التهرّب من الحقنة. قائمة الخوف لديّ أطول من فاتورة الشراء بعد نزول الراتب.. صحيح لديّ خوف شهري ثابت من ألا ينزل الراتب.
يتسارع نبض قلبي كلما أردتُ فتح رسالة خلوية، فربّما هي إشعار بسحب مبلغ كبير من حسابي الصغير، بعملية احتيالية، أو تنبيه من إدارة السير بأني قطعتُ الإشارة الحمراء وعقوبتها الجَلد، مع شرح تفصيلي مطمئن بأنه “جَلد لا ينهر الدم، ولا يشق الجِلد ولا يكسر العظم”، أو ألف احتمال يدفعني لحذف الرسالة من دون قراءتها. يجفُّ فمي إن رنّ هاتفي بأرقام غير محفوظة باسم، فقد يكون زوجاً غاضباً ظنّ أني أهيم بزوجته، وربّما موظف عسكري سيخبرني برفع سنّ التجنيد الإجباري ليشمل كلّ الشيب الذي في رأسي، أو ألف احتمال يدفعني لسدّ الخطّ وإغراق هاتفي في الماء.
خائف أنا وكثير التردّد إلى الحمّام، دائم القلق وقدمي تهتزُّ كأنها فوق مقلاة حامية. مخاوفي كبيرة كأنّي أترقب حرباً أو انهياراً اقتصادياً بعدما ينتهي المحلل السياسيّ من قراءة الغيب، ومخاوفي صغيرة حتى أني أخشى عطلاً في الإضاءة لأني أجهل تركيب أخرى بديلة، وهذا يعني أني سأعيش في عتمة لن أرى فيها الحشرات الزاحفة إلا عندما تصعد إلى ساعدي، وتُسكتُ قلبي. خائف ولي أوصاف مركبة في علم النفس، ومصطلحات منحوتة بتوافق علماء بشَعر كث، واجتهادات صائبة وخائبة في تفسير هذا الخوف “النادر”.
لم يسألني أحد عن سبب كل هذا الخوف، فبالتأكيد هناك سبب خارج اجتهادات الكتب والمؤتمرات السنوية.

  • آه صحيح ما سبب كل هذا الخوف؟
  • أني حاولتُ تفادي أول صفعة ولم أصدّها.
  • حتى صِرتَ تخشى أصابع امرأة تنوي تحسس لحيتك!
  • صحيح!
  • إذاً لا بدّ أنك تخاف الموت.
  • طبعاً، بالتأكيد، وحتماً.. أخاف أن يتأخر!
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock