ثقافة

قاسم حداد يحكي سيرة “زجاج يفضح الروح وترتيل يمام” في شومان

عزيزة علي

عمان – على أوتار العود، قرأ الشاعر البحريني قاسم حداد مجموعة من قصائده القديمة والحديثة، المنصبة على وجع الحاضر والماضي القريب البعيد.
وألقى الشاعر، الذي خرج من رحم الفقراء والمضطهدين، باحثا عن الحرية البشرية في امتداد الكون، قصائده في الأمسية الشعرية التي أقيمت أول من أمس في منتدى عبدالحميد شومان وأدارها د. الشاعر مصلح النجار، ورافقه عزف على آلة العود، للنساء المغدورات برجالهن وأوشك الجزع أن يبلغ بهن، وبالحب يناجي الشاعر الوقت وذلك الغريب في البلاد الغريبة.
ووصف حداد الأمسية بـ”ورشة أدب حيث تشارك الموسيقى الشعر”، ثم رحب الجمهور شاكرا لمؤسسة شومان على هذا اللقاء الذي سيضعه في اختبار أمام قرائه.
وقرأ حداد قصيدة طويلة بعنوان “الاحتمالات”، جاء فيها:
“مفتولة الأحلام
لا جنية ولا تعشق الماء
تأتي من حيث لا نتوقع لها
ولها نخل وخيول وزعفران
مربوطة بالتذكر الصاعق.
– هل أنت واحدة أم كثير؟
ولا تأبه كأن لا أسئلة تستعصي
والشعر أجنحة وأفق وحنين لها
ولها الزينة وأسرارها
والمرايا مرصودة للقوانين والقيد
ولا تأبه كأن لا حدود تستعصي
تقذف حبل أحلامها
وتظل مربوطة في عروة الريح”.

ثم يتضرع الشاعر إلى الله في قصيدة “سجال”، إذ يقول:
“كما يتضرع النساك عند الله:
يا الله
 خذ مني وديعتك
انتهى وقت انتظاري
ليت ناري
أشعلتني شمعة في الناس،
يا الله
هات ذريعة تكفي لوقف كتائب القتلى. (…)
كن لي، إذا طال المدى،
 تعويذة تتلى
 ويا الله
 وقف في صفنا
 وامنع جناح الموت عنا،
كن لنا
 حصن المصلين الذين يؤسسون لحزنهم بيتا”.

ويهمس حداد للهواء الحب من خلال قصيدة “قل هو الحب”، فيقول:
“هواء سيد، وزجاج يفضح الروح وترتيل يمام
قل هو الحب
 ولا تصغي لغير القلب،
لا تأخذك الغفلة،
 لا ينتابك الخوف على ماء الكلام
 قل لهم في برهة
 تنساب وصاياك
وينهال سديم الخلق في نار الخيام
 قل لهم
فيما ينامون على أحلامهم،
 سترى في نرجس الصحراء
 في ترنيمة العود وغيم الشعر سردا وانهدام”.
ويحاكي الشاعر الفراديس قائلا:
“كان ذلك ليل بأن الفراديس
ليس سوى خبط عشواء
تفتح أحضانها دون قصد
وتلثم بالورد في وجنتي لكي تترك الجمر مستيقظا
دون قصد
وتنتخب النار في عتمة القلب من دون قصد
وفي ما تبقى من الوقت
تذهب مثل الأساطير من دون قصد
فكيف سأقنع قلبي بأن الذي كان يعبر
ليس ملاكا يهيئني للتآويل
لكنه.. مستحيل الأثر
وكيف أصدق أخبارنا
 وهي في هامش النص”.

وهمس الشاعر إلى الفهد الذي رباه في قصيدة “فهدا… فهدا”، إذ يقول:
“ربيناهم فهدا فهدا
مزجنا سواد شطرنجهم بأحداقنا الساهرة
لتزهو الرقطة في فروهم الكثيف
ويأخذ كل منهم قسطه من الماء والسفينة
وافرا… وافرا
ربيناهم فهدا فهدا
لكي يلتفت الضئيل منهم
نحو أكثرنا اطمئنانا
وينشب فيه المخالب والأنياب
فهدا فهدا
كنا نظن أن الوحش
هو الحيوان فحسب”.
وقرأ حداد مقاطع من قصيدة “طرفة بن الوردة”، يقول فيها:
“يقظة المعنى أيقظْ حصانك واستعنْ بالناي
رحلتك انتهتْ فابدأ بكأسك ريثما يرويك غيمٌ غامضٌ أيقظْ حصانك. نخبك التالي رؤىً وشقائق النعمان تِسعُ ممالكٍ، ومدائنٌ تسعى برمتها لصَلبكَ قبل صوت الطير.
أيقظْ سرجك الملكيّ
هذا الغيم بحرٌ من مجاز المكر في باب الغموض
أيقظْ حصانك وانهرْ المعنى
قصيدتك الطويلة أقصرُ الخطوات نحو الموت. لا تغفلْ
لديهم ما يشفُّ عن القرائن
وامتحانُك في كتاب الطيش يكفي لاستثارتهم
طريقك تنتهي”.

وهمس حداد في آذن النساء بقصيدة بعنوان “حكمة النساء” التي يقول فيها:
“أجهشت النساء المغدورات برجالهن
وأوشك الجزع أن يبلغ بهن
ليرمين خواتمهن في وجوه الرجال
لكنهن استدركن فأمسكن عن الخلع
واستدرن نحو دورهن
يدهن الأسرة بالتوابل
ويؤججن القناديل بزعفران السهرة
ويذهبن في استجواب المرايا
يشحذن أسماء عشاقهن بالأكباد”.
وقد استهل الشاعر د. مصلح النجار الأمسية التي جاءت في إطار برنامج الأمسيات الشعرية الذي تنظمه مؤسسة عبدالحميد شومان بالتعاون مع مؤسسة وتر للثقافة والإبداع، بالتأكيد أن حدّاد هو علاّمة لجيل شعريّ في البحرين، بدأ إبداعه منذ ستّينيات القرن الماضي، “وما نزال ندعو لهم بمزيد من التألّق”.
وقال النجار إن حداد يصف لحظة الإبداع، واكتشاف الذات، فيقول: “أضع المرآةَ على الطاولة، أحملقُ، وأتساءل: من يكون هذا الشخص؟ أكادُ لا أَعرفُه. أستعين بالمزيد من المرايا. وإذا بالشخص ذاتِه يتعدَّدُ أمامي، ويتكاثر مثل الصدى في كاتدرائيّة الجبال، فأتخيل أنني قادرٌ على وصفه: إنه قاسم حداد.. تقريبا”، فهو شاعر يقف في أرض قصيدة النثر، حاملاً قيثارةً تَعزفُ أوتارُها باقتدار شعراً موزوناً.
واستعرض النجار سيرة حداد الذي عمل في الثقافة والفنون بوزارة الإعلام، وتولّى رئاسة تحرير مجلّة كلمات، ويكتب مقالات في الصحف العربيّة، وله زاوية ثبتت لعقود اسمها “وقت للكتابة”.
حصل حداد على إجازة التفرّغ للعمل الأدبيّ من وزارة الإعلام البحرينية العام 1997، وشارك في تأسيس أسرة الأدباء والكتّاب في البحرين العام 1969، وشارك في تأسيس فرقة مسرح أوال العام 1970. كُتبت عن تجربة حداد دراسات نقدية وأكاديمية، وترجمت أعماله إلى لغات عديدة، فهو مؤسس موقع (جهة الشعر) على الإنترنت منذ منتصف التسعينيّات.
وصدر لحداد مجموعات شعريّة هي: البشارة 1970، وخروج رأس الحسين من المدن الخائنة، وقلب الحب، والدم الثاني، والنهروان، وانتماءات، وشظايا، والقيامة، وأخبار مجنون ليلى، وعزلة الملكات، وما أجملك أيها الذئب، وعلاج المسافة، وقبر قاسم يسبقه فهرس المكابدات وتليه جنّة الأخطاء، ويمشي مخفورا بالوعول، والمستحيل الأزرق، والغزالةُ يومَ الأحد، وليس بهذا الشكل ولا بشكل آخر. وله أيضا: حصّة الولع، وورشة الأمل، وأيقظتني الساحرة، ولستُ ضيفا على أحد، وفتنة السؤال، ونقد الأمل.

لا يجوز دون الحصول على إذن خطي من الناشر استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كلياً أو جزئياً بأي شكل وأي وسيلة تحت طائلة المسائلة القانونية. ويسمح استخدام المواد الإخبارية فقط شريطة ذكر الغد بوصفها المصدر.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock