أفكار ومواقف

قانون الأعراف العشائرية: تمهلوا !

تبدو الأنباء التي تتحدث عن نية وزارة الداخلية التقدم بمشروع قانون جديد بمسمى قانون “التقاليد والعادات الاجتماعية” مفاجأة غير قابلة للتصديق على الرغم مما قد يحشد من مبررات وجيهة لهذه الفكرة، فلا يعقل للدولة الأردنية المدنية التي شارفت القرن من عمرها أن تعود للخلف، وتسعى لتشريع يخالف فلسفة التشريع ولا يتفق مع روح الدستور، وهو القانون الذي تجاوزته الدولة منذ نحو أربعين عاما حينما الغت القانون العشائري عام 1976.
لا ندري ما الجديد الذي سيأتي به القانون ما دامت القضايا المحدودة التي ما تزال  تتعامل بها الأعراف العشائرية (الدم، وقضايا الشرف، وما يسمى تقطيع الوجه) يوجد حولها تعليمات واضحة وملزمة لدى المحافظين بالالتزام بما تقتضيه التقاليد المحلية السائدة. صحيح أن مسائل “الجلوة” أي تهجير الناس وإخراجهم من بيوتهم تتناقض مع مبدأ فردية العقوبة وتعاقب الأسر والمجتمعات، تحتاج هذه الممارسة الجائرة إلى حلول عملية وإلى ذكاء خاص من وزارة الداخلية وخبرائها في اقتراح حلول توافقية لتجاوز هذا الصداع الاجتماعي المزمن، لكن علينا أن نلاحظ أن هذه القضايا في تراجع مستمر، وحينما نشرّع لها ونسعى لإصدار قانون في هذا الصدد فنحن عمليا نسعى إلى استعادتها وترسيخها.
الأعراف العشائرية هي اختراع اجتماعي فذ ساد قبل ظهور الدولة، وهو نسخة أولية من عقد اجتماعي طورته العشائر لتنظيم شؤونها وحماية حقوق الناس وفرض السلم الاجتماعي، وفي فترات لاحقة ساهم في  سد فراغ غياب الدولة، لكن اليوم لا يوجد أي مبرر مهما عظم لعودة هذه الأعراف وعلى شكل قوانين إلا في حال فشل الدولة عن القيام بأدوارها بأدوات مدنية معاصرة.
مثلما ساهمت هذه الأعراف خلال العقود الماضية في حقن دماء الكثير من الناس وتحقيق الأمن المحلي، ساهمت أيضا في ضياع حقوق آخرين، وما ” قانون فنجان القهوة” الذي جعل طبقة من المتهورين تستسهل ارتكاب الجرائم سواء في حوادث السير أو في بعض جرائم القتل إلا احدى الممارسات التي كانت تحتاج إلى ذكاء سياسي واجتماعي من الدولة لوضع حلول لصالح دولة القانون لا أن تحول هذه الأعراف إلى قوانين.
لا أحد يستطيع أن يلغي هذه الأعراف بجرة قلم، وهي في الواقع في طريقها الى التلاشي، ويوميا نشاهد ونعيش قضايا تمس العشائر في القرى والمحافظات يميل الناس فيها إلى ترك الأمر إلى التقاضي المدني. المجتمع الأردني يتغير اجتماعيا وثقافيا وعلى الدولة التقاط مفاتيح التغير والبناء عليها لصالح مستقبل الدولة الاردنية المدنية.
الخبرة الاجتماعية الأردنية في إدارة السلم الاهلي وفي تطوير آليات التصالح قبل الوصول الى القضاء خبرة مقدرة وعلينا ان نضفي عليها المزيد من الاحترام باعتبارها جزءا من التراث الاجتماعي الوطني، ويجب وضعها في مكانها الحقيقي، أي حلقة التصالح والتسويات التي توفر للناس حل المنازعات قبل الوصول للقضاء والمحاكم. وعلى كل الاحوال هذه الآلية موجودة في العديد من المجتمعات الديمقراطية لكن لا أحد يدعو أن تحل محل القانون أو سن قانون لها فهي أقرب إلى أطر التنظيم الذاتي الأخلاقية التي تحتاج الى  الأخذ بها للانسجام مع القوانين حتى تتلاشى، علينا أن نفكر على سبيل المثال بمدونة للسلوك الاخلاقي في المنازعات العشائرية نأخذ فيها الأعراف والتقاليد إلى اقرب نقطة من القانون.

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. تتعارض مع مدنية الدولة
    هذه القوانيين كانت تصلح للقرن الماضي وهي تتعارض كليا مع الدولة المدنية

  2. "عين الصواب"
    القانون مصدره اذا تجاوز العادات والتقاليد والقيم والثقافة والعقيدة يبقى ضعيفا وهنا قيل العادة تغلب القانون" وكما اشرت لايمكن محوها بجرة قلم اصبح لزاما ان يواكبها قانون ناظم وكيف لا ان تعددت العادات ناهيك انه من سيطالهم القانون ونوع الجريمة ؟؟ وهذا افضل لتوظيف القانون ؟ وليس كما حاصل تطاول البعض على فنجان القهوة في امور دخيلة على مجتمعاتنا لا وبل ابى من تقلّد حب الخير والإصلاح ان يتقبل الخوض بها؟ حتى تم تصميم شخوص مأجورين بالقيام بها؟ واعتقادي ان السيد الوزير اصاب للحد من هذه التجاوزات حتى لاتستغل مثل هذه العادات الحميدة من غير اهلها ومسارها؟ ولايغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم"

  3. قنبلة ذرية ذات اشعاع مستدام
    كيف نوفق بين مجتمع القانون في الوقت الذي نقوم فيه بتجذير التقاليد العشائرية التي تمجدها المعلقات من ثأر وفخر وانساب عفى عليها الدهر . إن بث الحياة في هذه القيم هو بمثابة تفجير نووي في قلب قوانيننا سيترك اثراً سلبياً لأجيال كثير قادمة ويعمل بمثابة الكابح والمتراس المسلح أمام اي جهود لتحقيق التقدم مثل الدول الأخرى ..

  4. دعم وتأييد
    اتفق معك واشد على علي يدك د.باسم المجتمعات تتقدم وهذا القانون سوف يشدها الى الوراء على كل قوى المجتمع المدني والناشطين السياسيين وحتى ابناء العشائر ان يقفوا ضد هذا التوجه

  5. لا تقاتلوا الفكرة في مهدها
    العادات واتقاليد تاخذ عبر السنيين حيزا كبيرا في التداول بين الناس الى الحد الذي يجععلها توازي وتعمل عمل القانون في تاثيرها وسريانها بين افراد المجتمع , وفي الاردن حسب التركيبه السكانية لأهله الكرام يوجد بنية وتركيبه واقع عشائري اخذ بعدا موضوعيا متجذرا في الوجدان والسلوك عادات تقاليد , حيث اصبح واقعا معاشا من عدم الحكمة تجاوزه وتحييده في المنظومة الاجتماعية وحتى القانونية. من هنا جاءت الحاجه الملحة والضرورية للموائمة بين واقع مجتمعنا ذو الطابع البنيوي العشائري مع بقية الاطياف الاخرى, والتي لاتتعارض بأي حال من الاحوال مع البنية القانونية , لا بل انهما مكملان لبعضهم البعض. أن قوننة الشأن العشائري جاء ليعالج الثغرات الموجودة والضبابية لبعض التطبيقات في هذا السياق , بما يتلائم مع متطلبات المجتمع المعاصر مكملا للقوانين الاخرى التي شرعت لتخدم ذات المجتمع. والجدير بالملاحظة والتذكير بأن دولة كاليابان مثلا لم يمنعها سن القوانيين المتعلقة بتراثها وعادتها المراعية لهذا البعد نقول لم يمنعها هذا من تبؤ مركز الصدارة عالميا في مجالات الحياة الاخرى.

شاهد أيضاً

إغلاق
انتخابات 2020
41 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock