أفكار ومواقف

قانون قيصر والعرض الأميركي لسورية

قريباً يدخل حيز التنفيذ ما يسمّى «قانون قيصر» لحماية المدنيين في سورية الذي أقره الكونغرس بالتوافق العام الماضي. القانون يستند إلى اتهامات تحمّل الحكومة السورية المسؤولية عن جرائم بحق المعتقلين السوريين استناداً لصور مسربة حسب الرواية الأميركية ويفرض عقوبات على هذه الحكومة وحلفائها على خلفية الأزمة السورية وعلى الشركات والأفراد الذين يتعاملون معها. ويستهدف مختلف القطاعات والأنشطة الاقتصادية في الصناعة والطاقة والصناعة والبنوك والشركات التي تتعامل مع الحكومة السورية؛ ومدته عشر سنوات.
سورية لديها تجارب عديدة مع العقوبات وقد اعتادت عليها منذ قبل الأزمة، فقد تعرضت سابقاً لحزمة كبيرة منها استهدفت الدولة وشخصيات سياسية وأمنية وعسكرية، منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وقبل ذلك، نتيجة اتهامها بدعم الفصائل الفلسطينية وحزب الله اللبناني والفصائل العراقية إبّان الاحتلال الأميركي للعراق. ولكنها استطاعت التكيف معها نتيجة شبكة علاقاتها وتحالفاتها بالإضافة لسيطرتها على ثروات البلاد من نفط ومياه وزراعة وما لديها من ازدهار ملحوظ في قطاعات الصناعة والسياحة.
خطورة العقوبات هذه المرة هو أنها غير مسبوقة من ناحية تأثيرها وشدتها ومن ناحية فقدان سيطرة الدولة على المصادر التي تدعم اقتصادها والواقعة تحت سيطرة قوات «قسد» الكردية شمال شرق الفرات والحليف الرئيسي للولايات المتحدة بالإضافة لسيطرة القوات الأميركية على حقول النفط السورية في القامشلي والحسكة. زاد من ذلك تعرض الحليف الإيراني لعقوبات وحصار بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي والظروف الاقتصادية الصعبة للحليف الروسي.
لا يمكن فصل ما يجري من انهيار اقتصادي مريع انعكس على حياة المواطنين السوريين الذين عانوا وخلال عشرة أعوام منه بفعل الأزمة وحتى قبل دخول قانون قيصر عن الرغبة الأميركية الواضحة في إخضاع الحكومة السورية لشروط التسوية السياسية التي تفصّلها الولايات المتحدة الأميركية. وقد عبر عنها بصراحة ووضوح المبعوث الأميركي لسورية جيمس جيفري بأن ما يجري من انهيار لليرة السورية هو بقرار أميركي وضمن سياقات قيصر، ويهدف للضغط على دمشق للقبول بعرضهم وهو وجود عملية سياسية من الممكن ألا تقود لتغيير النظام ولكن تغير سلوكه السياسي وتضمن عدم قيام الحكومة السورية بتأمين ملاذات آمنة لما وصفه بالمنظمات الإرهابية التي يقصد بها الفصائل الفلسطينية وتحديداً الجهاد الإسلامي مع ضمان عدم تأمين قاعدة لإيران مقابل إخراج سورية من أزمتها الاقتصادية الحالية.
العرض الأميركي الذي قدمه جيمس جيفري هو ذات العرض الذي قدمه قبل سبعة عشر عاماً وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول وهذا يعني أن مربط الفرس في العقوبات هو علاقة سورية مع إيران وحزب الله والفصائل الفلسطينية وبالتالي الحديث عن إنضاج تسوية تخدم الشعب السوري هو مجرد ورقة انتهت صلاحيتها وانتهت معها صلاحية المعارضة السورية. لكن الخطير هنا أن من سيدفع الثمن الكبير هو الشعب السوري ومن ثم مؤسسات الدولة السورية.
لقد فرضت أميركا الحصار الاقتصادي على العراق لمدة ثلاثة عشر عاماً من العام 1990 ولغاية العام 2003، ولكن العقوبات لم تسقط العراق بل سقط بفعل الغزو، وعلى ليبيا منذ العام 1985 وحتى العام 2003 ولم يسقط حكم الرئيس الراحل القذافي بل سقط بفعل ضربات الناتو. في الحالة السورية يبدو أن الهدف الذي تسعى له إدارة ترامب وقبل خمسة أشهر من الانتخابات هو إعادة إنتاج الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة الرئيس الأسد بفعل الظروف الاقتصادية الضاغطة والقاسية. فهل تنجح في إطار المساومة على الوجود الإيراني وحزب الله دون أن ننسى دائماً المصلحة الإسرائيلية؟ الإجابة على هذا السؤال تعتمد على عاملين أساسيين وهما قدرة الدولة السورية على تحمّل هذه العقوبات وتخفيف عبئها المباشر على المواطنين، والثاني انتظار الصفقة الأميركية الإيرانية التي قد تكون مفاجأة ترامب قبل الانتخابات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock