أفكار ومواقف

قانون “يجلب الشبهة”

لا يلام الحاكم الإداري الذي أُنيطت به صلاحيات تتعلق بحفظ الأمن والسلم المجتمعي، عندما يلجأ للتوقيف أو حجز شخص خطير صاحب سوابق جرمية متكررة، بل تلامُ الدولةُ بكل مؤسساتها التي أعطته تلك الصلاحيات معتقدةً أن توقيف الناس وحجزَ حرياتهم سيحفظ لها السلم والأمن، وها هي أرقامُ تقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان تثبت أن التوقيف الإداري في ازديادٍ مستمرٍ، فقد ارتفع عدد الموقوفين إدارياً من 19860 موقوفا إداريا العام 2015 الى 37 ألف موقوفٍ في العام 2018 حسب تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان الأخير.
ولا يلام الحاكم الإداري أيضاً عندما يلجأ لتنفيذ مفاهيم الجلوة وترحيل ذوي القاتل وأهله وأجداده، بل تلام الدولة التي لم تنجح في وقف هذا السلوك، ويلام المجتمع الذي ما يزال يصر على تطبيق سلوك رجعي أجمع أغلب شيوخ العشائر على رفضه، إضافة إلى عدم اتساقه مع الأردن المعاصر، ولا مع دستوره ولا مع التزاماته بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان ولا حتى مع متطلبات الدين والأخلاق.
قانون منع الجرائم صدر العام 1954 أي قبل ستة وستين عاماً وقد مر على جميع رؤساء الوزراء على اختلاف مشاربهم السياسية، كما مر على جميع مجالس الأُمة منذ استقلال الأردن وإعلان دستور 1952، وعلى الرغم من إلغاء أو تعديل أغلب القوانين التي صدرت في تلك الفترة، إلا أن قانون منع الجرائم ما يزال صامداً، وقد فشلت عدة محاولات لتعديله آخرها مشروع تعديل عام 2016، والذي سحبته الحكومة من أروقة مجلس النواب بدعوى حاجتها لمزيد من المشاورات حوله.
ويجمع أغلب خبراء القانون والمشتغلين في مجال حقوق الإنسان على عدم دستورية هذا القانون من حيث مخالفته لمبدأ الفصل بين السلطات، ذلك أن صلاحيات التحقيق والتوقيف من اختصاص السلطة القضائية وضمن ضوابط يحددها القانون بعكس الصلاحيات التي منحت للحاكم الإداري والتي جاءت مطلقة، مما أدى إلى كثير من التجاوزات للحكام الإداريين في ممارسة تلك الصلاحيات كما ورد في كثير من أحكام المحاكم الإدارية التي أَشرت على تعسف هؤلاء الحكام الإداريين.
صمود ذلك القانون يثبت أننا ندفن رأسنا في الرمل، ونلجأ لحلول ترقيعية بخصوص قضايا محددة حصراً يُعنى بها قانون منع الجرائم وهي: كيفية التعامل مع المجرمين الخطرين المكررين، وموضوع الجلوة العشائرية، وموضوع حماية النساء في قضايا الشرف من قتلهن والاعتداء عليهن.
وهذه القضايا ما تزال دون حل وكل ما نفعله أننا نرمي بها على الحاكم الاداري الذي ليس له غير حجز الناس إما لاتقاء شرهم أو “حفاظًا ً” على حياتهم كما هو الحال في جرائم الشرف، وتلك إجراءات غير فعالة وغير دستورية، وتؤشر على فشل جماعي ذريع في التصدي لتلك القضايا.
التوقيف والتحقيق يجب أن يعود للقضاء، وإذا كان مفهوماً أن تناط هذه الصلاحيات العام 1954 بالحاكم الإداري، فلم يعد ذلك مفهوماً اليوم، حيث يمكن أن تحال القضايا فورًا للقاضي المختص في المنطقة أو أن يلحق قاض مستقل بالمحافظة أو المتصرفية، ويمكن التصدي لموضوع المجرمين المكررين الخطرين بتعديلٍ تشريعي يوجب وضعهم في برامج إصلاحية مكثفة بعد التكرار الثاني يؤمن عزلهم عن الشارع وإصلاحهم، أما حماية النساء المعنفات أو المهددات بالقتل فيجب أولا تغليظ عقوبة الاعتداء عليهن، وإيجاد دور إيواءٍ آمنةٍ لهن.
قانون منع الجرائم قانون “يجلب الشبهة”، وقد جلب للأردن في المحافل الدولية الكثير من النقد والإساءة، وإن إلغاءهُ أو تعديلهُ صار ضرورةً ملحةً خاصةً في ضوء النتائج التي أثبتت عدم فعالية التوقيف الإداري وفقاً لأحكام هذا القانون، إضافة إلى ما يحمله هذا الإجراء من أعباء مالية وسياسية على الدولة ولمخالفته للدستور والمواثيق الدولية، ولكن مجرد التعديل لا يكفي، بل يجب أن يصاحب تعديله حلول ناجعة للقضايا التي شرع القانون من أجل التصدي لها من خلال إجراء التوقيف الاداري، فاهم علي جنابك؟!.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock