أفكار ومواقف

قبل أن تصبح الأرض زرقاء

يتذمّر المشاهير على هذه الأرض الزرقاء المعلّقة.. من الحبّ، من الرسائل اللحوحة وأرقامها الحمراء، والأسئلة القلقة عن الحال والبال، يقولون فيه ما قاله محمود درويش قبل زمن “أنقذونا من هذا الحبّ القاسي”، يكتبون إعلانات تحذيريّة يحدّدون فيها “قواعد العشق الأربعون”، وشروط الدخول والخروج، وآداب التعليق، والطرق الخفيفة لوضع الإعجاب، وعلى المتابعين المتيّمين الالتزام تحت طائلة الحظر أو الحذف من نصف الجنّة!
مشاهير الصدفة في السوشال الميديا، يتأفّفون من الاهتمام الزائد، والمكالمات غير المتفق عليها بمواعيد مسبقة، يرتدون النظارات السوداء في الأسواق المكيّفة هرباً من نظرات الفضوليين، يعتذرون عن التقاط الصور كما لا يفعل كاظم الساهر، يتبرّمون مثل حديثة الطلاق، يريدون الاستمتاع بالقهوة بعيداً عن نظرات النساء الولهة. ضجرون من فائض الحبّ، ولا يطلبون سوى ساعة من هدوء ما وراء الطبيعة لكتابة قصيدة حب!
قبل أن تصبح الأرض زرقاء، لم يكن هؤلاء المشاهير معروفين حتى سادس جار، زوجاتهم أيضاً كنّ يتفادين حرج نسيان أسمائهم باستدعاء الكنية. كانوا غزلاناً فقط بأعين أمّهاتهم وخالاتهم، ومثلنا تماماً نحن العباد الفقراء، كانوا يستجدون من العاطلين عن العمل أمام بقالة “أبو أحمد” ردّ تحيّة الإسلام ولو من مقطعين. كانوا أيضاً على “باب الله”، يفرطون في الابتسام، ويحملون هواتف صامتة، ويفرحون بصخب إن أوقفهم المارّة.. لسؤالهم عن الوقت!
.. وقبل أن تصبح الأرض زرقاء، لم يكن لـ”المشاهير” رأي صريح في الاحتباس الحراري، ولا فتوى طبيّة بسرطان الكبد، ويذكر الجميع كيف أنهم وقفوا على الحياد في حرب يوغسلافيا الطويلة، وما كان باستطاعتهم تسمية فصيلين في حرب الأهل في لبنان، وموقفهم من الاشتراكيّة، كان مثل موقفهم من الطعام المالح.. ما كانوا سذّجاً أو سخيفين، لكن لا شيء كان ينبئ أنهم من فصيلة “شريف العلمي”!
تتهمونني أنّي أغارُ من المشاهير.. نعم “أنا غيرانٌ وعندي لوعة”، فلستُ معروفاً سوى لأمّي وعدد محدود من النساء، وبريدي خالٍ من الإشعارات الحمراء، وهاتفي صامت مثل أسطوانة الأنتيكات. لا طالبة جامعيّة تتعرّف إلى ملامحي الشائعة في ستار باكس، رغم أنّي أتعمّد خفض الكمبيوتر المحمول عن وجهي، ولا شاب يوقفني في السوق الحُرّة، ليلتقط معي “سيلفي”، ويتعجّب بأنّي لا أشبه الصور!
نعم “أنا غيرانٌ وعندي لوعة”، فليس هناك جماهير عريضة تنتظر رأيي في تسريحة وسياسة دونالد ترامب، ولا يقدّم موقفي في الربيع العربيّ ولا يؤخّر، كما أنّي لستُ مؤثراً في أحد أو على أحد، وبالكاد أستطيع إقناع طفلة جارتي بمساعدتها على صعود الدرج. أكتبُ أني تعيس فلا تواسيني امرأة ساهرة في قائمة المحادثة، أفكّر في الانتحار فلا يقرأ صديق على رأسي آية الكرسي!
يتذمّر المشاهير من الحبّ الكثير.. أما أنا فلا أريد إلا القليل منه، ما يفيض على حاجتهم!!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock