أفكار ومواقفرأي في حياتنا

قتل النساء.. من أين نبدأ لإنهائه؟

فريهان سطعان الحسن

كن فتيات ممتلئات بالحياة، تراودهن الأحلام، فيخترن أجملها وأسماها. في عيونهن، يلمع الطموح، وفي خطواتهن بداية مسير، كنّ يظنه طويلا يبدأ بالتسلح بالعلم، ولا يتوقف في مسيرة حياة مليئة بالسعادة والإنجاز والتفوق.

هكذا كانت الأفكار تداعب مخيلاتهن. هكذا فكرن، من غير أن يعرفن أن الحياة تخبئ لهن أسوأ ما فيها. فقد انطفأت العيون، واتشحت الأيام بالسواد، وماتت الأحلام في لحظة انسلبت فيها أرواح تلك النساء بلا ذنب، سوى أنهن محكومات بمجتمعات ذكورية، ومنذورات للعذاب والموت على يد وحوش بشرية تعيش بيننا بلا ضمير.

في البداية، قُتلت نيرة أشرف الطالبة التي تدرس في جامعة المنصورة في مصر على يد زميلها، لأنها رفضت الارتباط به، ليقرر الانتقام منها أمام الجميع وعلى باب جامعتها، في مشهد لا يكاد يتصور مدى بشاعته أحد. لم يكن مقتل نيرة حادثة فردية في زمن تتعرض فيه النساء لجميع أشكال العنف، فبعد ساعات معدودة، قتلت الطالبة الأردنية إيمان بالرصاص أيضا داخل حرم جامعتها.

عدوى العنف بدت كأنما تجد بيئة خصبة لها، وبدا قاتل إيمان كأنما يقتدي بما فعله المجرم المصري، ليتجدد العنف والإجرام، والقادم سيكون أكثر سوءا وألما ما لم يتم تبني عقوبات رادعة، وما لم تتم دراسة التحولات المجتمعية الحديثة، والتي أعادت المرأة خطوات عديدة للوراء، رغم ما نراه من نجاح لها في جميع المجالات.

العنف ضد النساء لم يأتِ من فراغ، إنما أسست له المجتمعات، وامتد لدور العلم؛ المدارس والجامعات، ويدعم كل ذلك محتوى فكري مسيء تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي، وموروث شعبي يحط من قدر المرأة ومكانتها، إضافة إلى الدراما التي ترسخ “المرتبة الدونية” للمرأة، فضلا عن موروث كبير من العنف في الدراما الهابطة والأغنيات السطحية التي تحصد ملايين المشاهدات، وجميعها تحرض على العنف والأذى.

في المقابل، لا نكاد نجد الخطاب العقلاني المضاد لما هو سائد اليوم من عنف وفوضى، وكأننا ما نزال نبحث عن العقلانية في زمن العصور الوسطى، أو كأنما التنوير قفز عن منطقتنا العربية بكل ما فيها من بشر وإرث، لنبقى في ظل خواء فكري وقيمي نفتقد فيه للإنسانية الحقيقية.

ووسط كل الخراب الذي نشهد عليه يوميا، نتساءل: من الذي تقع على عاتقه مهمة تربية الجيل، وتسليحه بالوعي والقيم الحقيقية، وتعليمه أن حياة الإنسان مقدسة ولا ينبغي المساس بها! هل هي الأسرة، أم المدرسة، أم السوشال ميديا التي تقدم محتوى مريضا ومحرضا!

اليوم، وصلنا إلى هذه المرحلة من الفلتان، وضحينا بمجموعة من النساء اللواتي دفعن ضريبة الدم لأن مجتمعاتهن لم توفر لهن الحماية الكافية. اليوم وصلنا إلى المرحلة التي تقتل فيها امرأة بسبب أنها رفضت الحديث مع أحدهم، أو رفضت الارتباط بشخص. لقد وصلنا إلى هذه الدرجة من الاستهانة بحياة النساء، فماذا ننتظر بعد، ومن هو الذي سيعلق الجرس على خطورة الوضع الذي اندرجنا فيه؟

خيار الوقوف على الحياد في القضايا الأخلاقية الكبيرة، غير مطلوب، ولا هو متاح. لذلك يتوجب علينا جميعنا أن ننخرط في معركة التنوير، وأن نسهم في إيقاف العنف الكبير الذي تتعرض له النساء في مجتمعاتنا. من غير ذلك، فسوف نكون شاهدين على العنف وهو يبتلعنا كلنا.

رحم الله الفتيات المظلومات اللواتي رحلن بلا ذنب، وقلوبنا مع عائلاتهن المكلومة. والخزي والعار لكل من ينظر بدونية إلى النساء العظيمات.

المقال السابق للكاتبة

“أم أسعد” وصناعة الفرح

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock