أفكار ومواقف

قدرنا.. أم قدر الحكومات؟

وزير سابق، أثقل خزينة الدولة بعشرات ملايين الدنانير، يصف الشعب الأردني بـ”الحمير”، وزميلة له تقول إن الشعب “وجهه بارد”، وثالث يرد على مواطن يشكو سوء الحال بـ”اللي قالته ليلى”، ورابع يستخف بعقول الأردنيين ويخبرهم كلاما غير علمي عن فيروس كورونا المستجد، ومن قبله يخرج من أبناء الإعلام من يصفنا بـ”ديدان”، وآخر يُشبه المواطن غير الملتزم بـ”الحمار”.
إن الشخص الغريب، المتبع لتصريحات وكلام وزرائنا ومسؤولينا، يُخيل له، للوهلة الأولى، بأن الشعب الأردني عالة على الحكومات وطواقمها المختلفة، أو أنه بلاء ووباء لهم وعليهم، يُسبب لهم المشاكل.
نعم، يُخيل له بأن هذا الشعب هو سبب تخلف الأردن، في كل مجالات الحياة، وارتفاع المديونية ووصولها إلى أرقام جنونية، وأنه المعضلة الوحيدة التي تقف في وجه القضاء على مشكلتي الفقر والبطالة.. وقد يُخيل لذلك “الغريب” بأننا سبب الأوبئة والأمراض في هذا البلد.
لكن ذلك الشخص الغريب، لا يعلم كم ضحى أبناء الشعب الأردني من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه… للعلم نحن لا نلوم هذا الشخص وأمثاله، بل نلوم ونضع الحق على حكوماتنا المتعاقبة وأفرادها على اختلافهم، الذين يغضون الطرف، ولا ينظرون قيد أنملة، إلى حجم التضحيات التي أقدم عليها هذا الشعب، الذي بات يلهث كل واحد منه لتأمين أدنى مقومات معيشة أقل من عادية له ولعائلته.
أيستحق شعب مثل ذلك، بأن يوصف وينعت بكل تلك الصفات، والتلفظ ضده بألفاظ، تمسه مساسًا مباشرًا، وهو يُقدم ما باستطاعته، لا بل وأكثر من استطاعته، في سبيل الحفاظ على هذا الوطن قويًا متماسكًا، لتبقى سمته الأساسية الأمن والأمان، اللذين باتا على “المحك”، في ظل الأوضاع الراهنة.
هل مشكلة الشعب الأردني هي الصدق، الذي ظن وسيبقى يظن بأن حكوماته تبادله الشيء نفسه.. أبناء هذ الوطن أغلقوا عليهم أبواب منازلهم، التزامًا بالأوامر والقرارات، لمدة نحو 70 يومًا، لمجرد أن حكومته قالت له إن فيروس كورونا “طرق” باب الأردن، ووقتها لم تتجاوز الإصابات في أسوأ الأيام، 19 إصابة.
أيستحق هذا الشعب تلك الشتائم بحقه، بعد أن رضي عن طيب خاطر، خصم ما بين 25 % و30 % من راتبه الشهري لمدة ثمانية أشهر، بدءا من شهر أيار الماضي وحتى نهاية كانون الأول المقبل، وذلك دعمًا لخزينة الدولة، بعد أن خرجت الحكومة السابقة لتقول إن الوضع المادي للدولة يمر بأزمة، جراء تلك الجائحة اللعينة.
إلى جانب أن هناك عمالا يعملون بـ”المياومة” رضوا على أنفسهم العيش أكثر من شهرين بلا وسيلة رزق، يؤمنون بها قوت يومهم وأفراد أسرهم، جراء الوقوف مع الوطن في ظرف طارئ قاهر.
لماذا يتم إطلاق النعوت والصفات غير الإنسانية على شعب، قدم الكثير الكثير ليرى وطنه في أجمل حُلة، ويصل الليل بالنهار ليراه في مصاف الدول المتقدمة.. وهو كذلك سيكون لولا “ثُلة” من الفاسدين، الذين عاثوا بأرزاق الأردنيين على مر العقود الماضية.
لا يستحق أن يُوصف بذلك شعب عانى الأمرين، منذ نشأة هذه الدولة، التي نُحب ونفديها بالدم والروح، وكان دومًا يرضى بأقل القليل.. فحتى على صعيد الإصلاح السياسي، كان دائمًا يُخوف بأن الأردن مُستهدف، ومحاط بكل الأخطار من كل حدب وصوب.
هل نحن بتلك الصفات، لأننا رضينا بقانون انتخاب قاصر وغير قادر على فرز الأفضل. هل نحن “كذلك”، لأننا صمتنا صمت الأموات على مجالس نواب “مررت” قوانين لا يرضى ولن يقبل بها فتى لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره.
هل نحن “كذلك”، لأننا قمنا بغض الطرف عن مشاريع سببت هدرًا لأموال الدولة، أو بمعنى أصح أموال الأردنيين.. وكل ذلك لخوفنا فقط على الوطن وعلى استقراره وعلى أمنه؟
ويبقى السؤال هل نحن قدر الحكومات، أم الأخيرة قدرنا؟.. هل نحن بلاء عليها أم هي بلاء علينا؟.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock