أفكار ومواقف

قراءة المجتمع قبل قراءة السياسة

بقيت أولويات الأردنيين منذ عدة سنوات لم تتغير، مما يفيد ان الحياة لم تتغير كثيراً، وهو الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر في نبض الناس اليومي وشؤون حياتهم وتفاصيلها الصغيرة، كما تؤكده استطلاعات الرأي المتكررة، وتدور تلك الأولويات حول مشكلتي الفقر والبطالـة، ومواجهـة الفساد المالي والإداري، ثم الطموح بإجراء إصلاحات سياسيـة.
فالحلقـة الضائعـة في أدبيات الحكومات الأردنية المتعاقبـة تتكرر في ضعف القراءة الاجتماعيـة للتحولات الاقتصاديـة التي لحقت بقطاعات واسعة وما تنطوي عليـه من أرقام قد تبدو في الكثير من الأحايين خادعـة، والمشكلـة الحقيقيـة تتأكد حينما تتحول إنجازات الإصلاح الاقتصادي والإداري الى مجرد ارقام ولا تصل الى الناس.
في احاديث الناس واقصد القواعد الاجتماعية جرح يضرب عميقا في الثقة العامة، فرغم ان السنوات الاربع الاخيرة على اقل تقدير شهدت جهودا وطنية مهمة في تطوير منظومة النزاهة الا ان الفساد الانطباعي ما يزال مهيمنا في هواجس الناس، لم تستطع المؤسسة العامة ترشيد وعقلنة المساءلة المجتمعية وتنظيمها، فالناس يتذمرون من الفساد على الفارغ والمملوء ولا يعملون اي شيء ذي جدوى في هذا الشأن اي ان ثقافة المساءلة المجتمعية تجدف عكس ما يخدم بناء قاعدة صلبة للمساءلة والنزاهة، ومع هذا يبقى الناس ينتظرون حدثا ما، ما يعني ان الايمان بالانجازات الكبيرة ما يزال يداعب الخيال.
العمق الاجتماعي للاصلاح يتحقق حينما نخلق توازنا بين السياسة الدنيا والسياسة العليا؛ اي اتساع القاعدة الاجتماعية المؤمنة بالاصلاح والمعتقدة بالاعتماد على الذات اي التحول الانتاجي طريقا للحل واداة لتغير نوعية حياة الأفراد والجماعات نحو الافضل؛ أي ان نبحث عن عمق الاصلاح في القواعد الاجتماعية العريضة ولا نكتفي بادارة الصراعات اليومية والتوافق بين النخب، بحيث يكون حضور المطالب الاصلاحية ليس مجرد حضور وعمل نخبوي بل يذهب عميقا في المجتمع والحياة اليومية وفي الثقافة الشعبية، ويتجسد في المجتمع المدني الفاعل، فالعمق المجتمعي للاصلاح يعني التحول الكيفي العظيم الذي يجعل من الانقسامات الاجتماعية الحادة حول الاولويات وفهم الاديان والثقافات الفرعية والجهات والاصول والمنابت والفروع والعشائر والحارات والاندية وغيرها حالة من التنوع داخل الوحدة وبالتالي مصدرا للثراء وقوة المجتمع.
علينا ان ندير عقارب التفكير السياسي نحو السياسة المحلية نحو دمج الناس في السياسات العامة وتوسيع قاعدة الحوار حول الخيارات الاجتماعية والاقتصادية، ربما سنكتشف كما يحدث في اعرق الديمقراطيات ان العمل الديمقراطي الذي يقود الاصلاح وينعكس على حياة الناس يحتاج ان تكون قاعات البرلمانات انعكاسا لما يدور في قاعات البلديات والمجالس المحلية وليس العكس.
ما الذي يحتاجه الناس في بلادنا هذه الايام اكثر من إعادة بناء الأمل في مواجهة مشاعر الاحباط واللاجدوى واليأس من التغيير، فقد مرت سنة صعبة وقاسية على مختلف الصعد، وقبلها ايضا سنوات صعبة تصاعدت فيها الأزمات وطحنت الظروف الاقتصادية الصعبة الناس وخلقت التحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة حالة من اللامبالاة والتطبيع مع الفشل والجرائم والرداءة. والاخطر الخوف من المستقبل، الخوف من القادم والمصير، لكن الامل ليس مجرد نبت يخرج من العدم، بل يحتاج ازاحة في الواقع وعلى الاقل يحتاج افكارا جديدة وكبيرة تعيد بناء توقعات الناس وتجعلهم يتمسكون بقدرتهم على تجاوز هذه الظروف.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock