ترجمات

قراءة جديدة في الحروب الصليبية

نيكولاس لوبوتر* – (أوريان 21) 4/1/2022

من فيلم “مملكة السماء” لريدلي سكوت (2005)، وإلى لعبة الفيديو “أساسنز كريد” (يوبي سوفت، 2007)، شكلت الحروب الصليبية مصدر إلهام متكررا لمنتجات ثقافية مختلفة، إلى أن أصبحت هذه الظاهرة التاريخية تبدو للمستهلك الغربي معروفة جدًا -أو على الأقل مألوفة.
غير أن هذه التصورات الغربية المشتركة متأثرة جدا بالاستشراق، ولذلك تجدر إعادة استنطاقها من خلال البحث الأكاديمي. وهذا ما حدث من خلال العمل الأخير لغابرييل مارتينيز غرو. ويقوم هذا الأستاذ الفخري للتاريخ بجامعة نانتير (الضاحية الباريسية) في أحدث أعماله، المعنون “على الجانب الآخر من الحروب الصليبية De l’autre côté des croisades”، بإعادة النظر إلى حد كبير في الرؤية التقليدية الأوروبية للحملات الصليبية، معتمداً في ذلك على مؤرخَين عربيَّين كبيرين -هما ابن الأثير (1160-1223)، الذي عاصر بشكل خاص الحملة الصليبية الثالثة (1189-1192) وقضى معظم حياته في الموصل؛ وابن خلدون (1332-1406)، متيحًا بذلك خروجا حقيقيا من النظرة المركزية الغربية.
النظرة التقليدية للحملة الصليبية في الغرب
تقليديا، يتم تعريف الحملة الصليبية في فرنسا، على حد قول المؤرخ ميشيل بالارد، على أنها “حج مسلح”، هدفه “تحرير القبر المقدس” (في كنيسة القيامة) في القدس. وبالنسبة لأولئك الذين يذهبون للقتال من أجل المسيح، تمنح الحملة الصليبية -التي أُطلقت بناءً على مرسوم للبابا- امتيازات عدة، مثل تعليق الديون، لكنَّها تمنح بشكل خاص غفران الخطايا التي ارتكبت سابقًا. ويمتد مشروع “تخليص” القدس هذا بصفة شاملة من نهاية القرن الحادي عشر، مع نداء كليرمون للبابا أوربان الثاني في العام 1095 والذي أطلق الحملة الصليبية الأولى، إلى القرن الرابع عشر، عندما بدأ التخلي تدريجيا عن فكرة إعادة احتلال الدول الصليبية للشرق، التي فُقدت في العام 1291. ومع ذلك، لم يظهر مصطلح “الحملة الصليبية” في الغرب إلا في منتصف القرن الثالث عشر، ليحل محل التعبيرات السابقة مثل “الطريق”، “رحلة القدس”، “الرحلة الاستكشافية” أو حتى “العبور إلى ما وراء البحر”.
غير أن مصطلح “الحملة الصليبية” هذا، وكذلك هذه المقاربة التي تركز على الأرض المقدسة، يميلان إلى إخفاء تنوع الظاهرة. إضافة إلى القدس، استهدفت الحملات الصليبية أراضي أخرى كثيرة. ونذكر على سبيل المثال مناطق أخرى يسيطر عليها المسلمون مثل إسبانيا أو صقلية، ولكن أيضًا الأقاليم “الوثنية” في أوروبا الشرقية مثل بروسيا (المنطقة التي ستصبح فيما بعد ألمانيا). كما دارت حروب صليبية في قلب الغرب المسيحي لتستهدف الهراطقة؛ أي المسيحيين الذين لا يحترمون المذاهب الرسمية لكنيسة روما، مثلما كان الحال في الحملة الصليبية ضد الألبيجنس في جنوب فرنسا بين العامين 1209 و1229.
حروب دينية أم إمبراطورية؟
فضلاً عن ذلك، في حين تُفهم الحملة الصليبية في الغرب على أنها حرب مقدسة قامت بإطلاقها البابوية، فإن هذا البعد الديني لا يلقى مصادقة حقيقية لدى العرب. كان الخليفة العباسي في بغداد يرى أن الصليبيين مجرد مرتزقة يعملون في خدمة الإمبراطور البيزنطي أليكسي الأول كومنينوس (1081-1118)، أو الدولة الفاطمية الشيعية في مصر. وعندما ذكر المؤرخ ابن الأثير انطلاق الحملة الصليبية الأولى، أشار إلى أنها عمل غير عقلاني، واعتبر غزو الأراضي المقدسة سلوكاً عبثياً، لأن شمال إفريقيا يوفر للغربيين فرصًا مربحة أكثر بكثير، علما أنها كانت للقدس في ذلك الحين قيمة رمزية أكبر في الغرب مما كانت لها في العالم الإسلامي. كما لم يأت ابن الأثير على ذكر البابا أوربان الثاني في سرده.
باستخدام مصادره، يقترح غابرييل مارتينيز غرو تفسيرًا آخر لأهداف الحملة الصليبية. وبطبيعة الحال، ليس هذا المؤرخ أول من أظهر أن إعادة احتلال القدس لم تكن الهدف الوحيد للحملات الصليبية، لكنه يرى على الخصوص أن البعد الديني أقل أهمية في الواقع من “الذاكرة الإمبراطورية” للبابوية. وفي الحقيقة، كان الغربيون يسعون قبل كل شيء إلى إعادة بناء الإمبراطورية الرومانية، وإعادة تشكيل “ماري نوستروم” أو “بحرنا”، كما يُشار إليه باللاتينية؛ أي الهيمنة الرومانية على البحر الأبيض المتوسط. وهذه النظرة هي المتواترة أيضاً عند العرب، التي يربطون من خلالها بين الحملات الاستكشافية إلى سورية وصقلية وشبه الجزيرة الإيبيرية. كما يسمح لنا هذا المنظور الإمبريالي أن نفهم بشكل أفضل الأهمية المركزية للقسطنطينية -التي كان يسيطر عليها الفرنجة في الأعوام من 1204 إلى 1261- بالنسبة للصليبيين. فبعيدًا عن أن يكون مجرد “منعرج” أو حادث عرضي خلال الحملة الصليبية الرابعة، يمكن تفسير الاستيلاء على القسطنطينية بالتنافس القائم بين البيزنطيين والفرنجة في المطالبة بميراث الإمبراطورية الرومانية.
تهديد ثانوي جداً بالنسبة للعرب
في نهاية المطاف، إذا كانت الحروب الصليبية تحتل مكانة مركزية في التاريخ الغربي للعصور الوسطى، فإن كتاب “الجانب الآخر من الحروب الصليبية” يسمح للغربيين بتنسيب أهميتهم. في القرن الحادي عشر، عندما نزل الصليبيون الأوائل إلى الشرق الأوسط، كان الصراع الكبير بين الشيعة والسنة هو ما يشغل المسلمين قبل كل شيء. وبالنسبة لابن خلدون، فإن الفرنجة ليسوا إلا قوة من بين القوى -كالبربر والأتراك والمغول- التي كانت تسعى إلى الاستفادة من ضعف الامبراطورية الإسلامية لتوسيع أراضيها والاستيلاء على موارد جديدة. وتبقى الخسائر البشرية التي تسبب فيها الصليبيون محدودة نسبياً في نهاية المطاف. وفي المجلد الخامس من مؤلَّف ابن خلدون المهم “كتاب العبر”، لا تحتل الحروب الصليبية إلا حيزا صغيرا جدا (29 صفحة من مجموع 563). ذلك أن التهديد الكبير الذي يثقل كاهل الإمبراطورية الإسلامية كان يأتي في الواقع من الشرق ويتجسد في المغول. فبعد أن قضى هؤلاء على سلالة العباسيين الحاكمة وأبادوا سكان بغداد في 1258، ثم حلب في 1260، دفع المغول الإسلام إلى أطراف إمبراطوريتهم الجديدة التي كانت بكين تشكل مركزها.
في نهاية المطاف، لم تؤثر الحروب الصليبية في الأرض المقدسة سوى على سورية ومصر، بينما تجاهلتها كليا كل من إيران والعراق، اللتين كانتا قلب السلطة الإسلامية.

*غابرييل مارتينيز غرو (ولد في 23 كانون الثاني/ يناير 1950 بوهران، الجزائر). هو أستاذ تاريخ العالم الإسلامي خلال القرون الوسطى في جامعة غرب باريس. شارك مع لوسيت فالنسي في إدارة معهد دراسة الإسلام ومجتمعات العالم الإسلامي حتى العام 2002. يعمل بشكل معمق على دراسة أعمال المؤرخ العربي ابن خلدون. ترجم هذا المقال عن الفرنسية لموقع “أوريان 21” حميد العربي.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock