تحليل إقتصادي

قراءة في كتاب “الأزمة المالية والاقتصاديـة”

محمد البشير*

يستكمل الاستاذ فهمي الكتوت ما قدمه للمكتبة الأردنية والعربية عن الاقتصاد الأردني بجزئيه الكلي (المالية العامة) والجزئي القطاع الخاص بمكوناته الثلاثة الصناعة، الزراعة والخدمات حيث تشابك السياسي بالاقتصادي منتجا ما نحن عليه من أوضاع سياسية، اقتصادية واجتماعية حيث غطى في مؤلفه الأول بعنوان (التحولات الاقتصادية والاجتماعية) فترة مهمة من تاريخ الأردن تعتبر مرحلة بناء الأردن ما بعد وحدة ضفتي نهر الأردن الغربية والشرقية وللفترة (50 – 1967) التي شهدت تطورات سياسية كبيرة توجت بتشكيل حكومة تقدمية (سليمان النابلسي) وانشاء البنية التحتية للاقتصاد الأردني ابتداء من شبكة الطرق، المياه، الكهرباء وانتهاء بالصناعات، البترولية، الاسمدة، المطاحن، الفوسفات وغيرها مترافقا ذلك مع تأشير واضح على أزمة المالية العامة في الأردن وتطور مشوه لمكونات الناتج المحلي الاجمالي…الخ.
في مؤلفه الجديد عن الازمة المالية والاقتصادية يطلعنا الاستاذ فهمي على ادوات المالية العامة وأزمتها المزمنة وانعكاسها على القطاعات الاقتصادية كافة وأسباب ذلك مقدماً البراهين الواضحة، المستندة الى تحليل علمي ووافي للسياسات المالية وخاصة منها الضريبة والنفقات الجارية والتشريعات كمسببات رئيسية للأوضاع الاقتصادية التي نعيش مستلهما من تاريخه النضالي في الحزب الشيوعي الأردني حيث الانحياز للطبقة العاملة على وجه الخصوص وللطبقة المتوسطة والفقيرة عموما وللأردن دائما في هذا الإنجاز.
يتناول الكتاب المشهد السياسي أردنيا وعربيا لمرحلة ما بعد العدوان الصهيوني على الأقطار العربية الثلاثة مصر، الأردن وسورية من حيث المتغيرات العميقة للخطاب السياسي العربي والوطني على حد سواء مفصلا ذلك باربعة فصول عاكسا ذلك على فترات ذات دلالة فرضت حضورها على اقتصادنا الوطني فالفترة (1967-1989) كما حددت الدراسة التي يسميها الكتوت بالخصائص وتأثير العوامل الخارجية والازمة المالية التي ادت إلى هبة نيسان المجيدة. مستعرضا العوامل السلبية التي يعاني منها الاقتصاد الأردني كالنمط الاستهلاكي، تعطيل الإنتاج الزراعي، الخضوع لشروط البنك وصندوق النقد الدوليين كل ذلك أدى إلى انخفاض نسبة النمو للإنتاج الوطني وتالياً انخفاض التحصيلات الضريبية مع ارتفاع كبير للنفقات، مما دفع الحكومات خلال تلك الفترة للجوء إلى المديونية من أجل سد عجز الموازنة على وجه الخصوص، خاصة بعد تراجع المساعدات العربية والدولية بشكل عام واعتماد الحساب الجاري على صادرات متواضعة وحوالات الأردنيين في الخارج مما ادى الى اللجوء مرة تلو المرة الى المديونية لسد العجز في الميزانية الختامية من جهة، ولدعم فاتورة الاستيراد من جهة اخرى.
تعود الدراسة في الفصل الثاني إلى استعراض تفصيلي لبرامج التصحيح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي من حيث تاريخ الاتفاقية والفترة التي استغرقتها والأهداف التي استهدفتها والذي تحقق من هذه الأهداف حيث أبرز الكتوت قواسم الأهداف المشتركة لهذه الاتفاقيات منذ سنة 1989 حتى العام 2019 ومنها تحقيق نمو اقتصادي بمعدل أفضل من السنوات السابقة، تحقيق إيرادات محلية بنسبة (105 %) من النفقات الجارية، تخفيض عجز الموازنة الى الحدود الدنيا، تخفيض نسبة البطالة وسد فجوة الميزان التجاري مقيماً نتائج هذه البرامج وانعكاسها على الاقتصاد الوطني.
هذا العرض والتقييم والنقد لهذه المرحلة اشر بشكل واضح على الأسباب الرئيسية في أزمة الاقتصاد الأردني المزمنة والتي ما زالت مستمرة حتى أيامنا هذه، استنادا إلى أن النهج الذي سارت عليه الحكومات المتعاقبة ما يزال هو المعتمد، خاصة بعد ان احتل العدو الصهيوني الضفة الغربية الفلسطينية مما افقد الاقتصاد الوطني (38 %) من الاراضي الزراعية، (80 %) من مجمل الاراضي المزروعة، (62 %) من انتاج الفواكه، (82 %) من انتاج الزيتون، (45 %) من انتاج الخضراوات ….الخ، وليصبح القارئ على دراية بأسباب ما حدث. تضمن الكتاب عرضا لما قام به الليبراليون الجدد من سياسات مالية وخاصة بفترة (92-98) حيث تم كف يد الدولة عن التدخل بالشأن الاقتصادي من جهة ويبيع ممتلكاتها في الشركات الاستراتيجية من جهة اخرى (الخصخصة) مبينا عوائدها وآثارها على مالية الدولة وعلى الاقتصاد الوطني الذي أصبح أكثر هشاشة وأكثر انكماشاً مما انعكس على المجتمع بحصة اقل من الناتج المحلي الاجمالي وفقر اوسع ادى الى انتشار المخدرات والعنف المجتمعي وتراجع القيم التي اتسم بها المجتمع الأردني خلال العقود الماضية من عمر الأردن.
في الفصل الثالث تحدثت الدراسة عن التنمية الاقتصادية والانظمة التي اتبعتها الدول تاريخيا وحاضرا مبينا حسناتها ومساوئها مؤشراً على خطط التنمية الاقتصادية والتحفيزية للاقتصاد الاردني للسنوات 2018-2022 واخرى للسنوات 20-25 (رؤيا الاردن 2025) مبيناً الفجوات والنتائج المحبطة التي شابت هذه الخطط سواء من حيث لا واقعيتها او بسبب عدم تحقيقها لاي نمو او وقف لتراجع المؤشرات الاقتصادية سواء كانت ذات علاقة بالميزان التجاري، البطالة وجيوب الفقر التي أصبحت أكثر ارتفاعاً مع ارتفاع ملحوظ لعدد السكان.
القطاع الصناعي والزراعي كان لهما مكانتهما في الدراسة، التي اكدت على خصائصها، اهميتها، واقعها ومعيقات نموها والتحديات التي تتعرض لها.
السياسات المالية المتبعة في الأردن احتلت الجزء الأكبر من الكتاب في فصله الرابع، حيث قدمت الدراسة فحصاً للموازنة العامة للسنوات 1970 حتى العام 2018 مستعرضاً ابوابها ونصوصها وتغول نفقاتها الجارية على النفقات الرأسمالية واعتمادها على الضرائب العامة من المواطنين من جهة وعلى المساعدات العربية والدولية من جهة اخرى، حيث تعاظمت هذه الضغوط على المالية العامة بعد ان ركزت السياسات الضريبية على الضرائب غير المباشرة كمرجع في التحصيلات الضريبية وارتفاع كلفة المديونية الى جانب ارتفاع حصة النفقات العسكرية ومشتقاتها، فاتورة التقاعد واعباء الوحدات المستقلة التي لم تحقق من تاريخ انشائها حتى تاريخه اية عوائد على خزينة الدولة.
تخلص دراسة الاستاذ فهمي إلى ان السياسات المالية تضمنت اختلالات هيكلية في الموازنة من حيث نفقاتها التي تذهب الى الجهاز العسكري والمدني وبحدود (60 %) و(13 %) لتسديد فوائد الدين العام ونفقات رأسمالية لا تزيد عن (11 %) مبيناً ان الايرادات لها مصادر ثلاث ضريبية بمعدل (65 %) ما يزيد عن (78 %) منها ضرائب غير مباشرة ومباشرة (22 %) ومساعدات عربية ودولية بالاضافة الى القروض التي قاربت قيمة الناتج المحلي الاجمالي.
الدراسة تذخر بالارقام والنسب عبر العرض او بالجداول التي كانت مرجعيتها البنك المركزي/ وزارة المالية ودائرة الاحصاءات العامة بالاضافة الى الصحف والمجلات والدراسات والابحاث الاقتصادية ومجموعة كبيرة من الكتب التي تناولت الاقتصاد الاردني من معجبين او منتقدين لهذا الاقتصاد، بما في ذلك مراجع سياسية وتاريخية باللغة العربية او اللغة الانجليزية بحيث استطيع ان اقول انه مرجع حقيقي للفريق الاقتصادي اولاً وللباحثين من طلبة ومهتمين بالشأن السياسي والاقتصادي الأردني دائماً.

*محاسب قانوني وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

السوق مفتوح المؤشر 1584.11 0.07%

انتخابات 2020
44 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock