أفكار ومواقف

قراءة في مقال الأمير الحسن: “على عتبة المئوية الثانية للدولة”

«على عتبة المئويّة الثانية للدولة» هو العنوان الذي حمله مقال سمو الأمير الحسن بن طلال ونحن نعد العدة، ونجيش المشاعر، ونستذكر المساحة الزمنية الفاصلة بين ما كان وما يتوجب أن يكون، لاستقبال مائة عام جديدة من عمر الدولة الأردنية وروحها، روح الدولة التي وصفها سموه بأنها «كما نراها ثابتة، قامت عليها الركيزة الأساسية وهي النهضة والتنوير، هذه الركيزة التي لا مجال للتفكير بتغييرها، بل وبعثها بروحها التي تتجدد ولا تموت…».
نهض المقال بمرتكزات ومبادئ تقوم بها الدولة الأردنية التي نريد، من الصعوبة بمكان الاحاطة بها جميعا في عبارات، أو مساحة مكانية محددة، إلا أنني أود الوقوف اليوم أمام مجموعة من المضامين التي جاءت تحت بند «ملف الإدارة الموحدة للدولة»، وهو عنوان فرعي، يضوج بتفاصيل بناء مؤسسات الدولة على أسس من الحاكمية الرشيدة، ليختزل العنوان بذلك وطنا نسعى لأن تكون المؤسسات فيه هي الفيصل والحكم، هي الباقية وما دونها إلى زوال.
أولا: تحديث التشريعات، وفي هذا يشير المقال إلى انه «يتصل بتحديث الإدارة مسألة على جانب كبير من الاهمية، وهي تحديث التشريعات الناظمة لعمل الوحدات الحكومية…فالإدارة المتجددة تقوم على التشريع الذي يملك القدرة على التحديث والتغيير…أما الحكم على فعالية التشريع وقدرته على تحقيق الغاية منه في تعزيز منظومة عمل الإدارة، فيكون من خلال الوقوف على الأسباب الموجبة لإصداره… ..».
في الواقع إنّ ما أورده سمو الأمير في معرض حديثه عن تحديث التشريعات، يجعلنا نتساءل مجددا هل ما يحدث على أرض الواقع في التعاطي مع المنظومة التشريعية عموما هو تحديث وتطوير للتشريعات يؤدي إلى تقوية النظام القانوني في الدولة وتنقيته من العيوب والشوائب وتجويده بما يضمن النهوض بعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي أم أنه تغيير فقط؟ والفرق جلي وكبير بينهما؛ فتطوير التشريعات وتحديثها عملية تعبر عن نمو المجتمع وتقدمه، ولعملية التطوير محددات يمكن تأطيرها في نقاط أساسية تتمثل في ضرورة أن يحترم القانون حكم الدستور فلا يخالفه أو ينتقص من حقوق الأفراد وحرياتهم تحت غطاء تنظيم الحق، وأن يحقق التشريع المصلحة العامة في المجتمع ويقيم في الوقت ذاته توازنا بين حقوق ومصالح الجماعة والقوى المختلفة وأن ينبع التطوير من سياسة تشريعية تتسم بالوضوح، تؤدي إلى سن قوانين تنبع من حاجة حقيقية وبعد دراسات مستفيضة للجدوى من وجودها والهدف الأسمى هو الوصول إلى قانون يعبر بحق عن إرادة الإمة وثوابتها ويؤدي بالنتيجة إلى تمتين أواصر دولة الحق.
أما تغيير التشريعات، فهو تعديل للتشريعات لا ينطلق من الأسس والاعتبارات الواردة أعلاه وإنما يأتي لسد ثغرة طارئة أو وضع حل لمشكلة مجتمعية أو إدارية تنبع في الكثير من الأحيان من وجود انطباعات دون الاستناد إلى حقائق علمية وقواعد بيانات دقيقة، ما يؤدي إلى إنتاج تشريعات كثيرة تثقل كاهل الدولة القانوني وتؤدي إلى عدم الاستقرار في المجالات كافة، لا بل أن بعض التغيير الذي يطال التشريعات قد يؤدي إلى اضعاف فئة في المجتمع لصالح فئة أخرى، وقد ياتي غير كاف لتحقق الإدارة أهدافها أو لتتمكن من وضع حد للتجاوزات التي تضعف من البنية المؤسسية في الدولة.
هذا التحديث وهذا التطوير القادم من عمق سياسة تشريعية واضحة الرؤى هو ما يجعل – وحسب ما أشار إليه سمو الأمير الحسن في مقاله – بأن «تكون العناقيد المتشابكة من التشريعات والقواعد القانونية الفاعلة المتجانسة التي تصدر وفق أحكام الدستور هي الأداة القوية بيد الإدارات الحكومية في معرض مباشرتها لمهام عملها…بالتالي إذا أردنا إدارة ناجحة فعلينا أن نضع بيدها تشريعات متطورة وقوية قادرة على تفعيل دور الإدارة وتصليب موقف المدير الجريء لمكافحة الفساد والتصدي له بقوة وبلا محاباة».
ثانيا: معضلة الحاكمية الرشيدة في مؤسسات الدولة كافة الأهلية والرسمية والخاصة؛ وفي هذا يضع سمو الأمير الحسن بن طلال في مقاله ركيزة أساسية لجعل قيم ومفاهيم هذه الحاكمية تتسيد عمل المؤسسات العامة وتقوم على «ضرورة تطوير الحقيقة ورسم استراتيجيات مدروسة، وأولويات تعلي الصالح العام للجميع بلا تمييز وتبني القناعات كخطوة أولى لبناء الثقة وتأسيس المواطنة، بالإضافة إلى الاعتماد على العمل المؤسسي بدل الشخصيات، كما أنّ المؤسسات التعليمية والاقتصادية والتشريعية لا بد لها من خطط مستقبلية لا يهزها تغيير الشخوص …»
في الحقيقة أن معضلة المؤسسات وارتباطها بشخوص من يتولون زمام أمورها أدى إلى تأرجح عمل العديد منها، وفي أحيان كثيرة خسارة مكاسب بسبب تغير الأمزجة والأهواء، بالرغم من أنّنا وكما أشار سمو الأمير « دولة مؤسسات قامت مع بدايات التأسيس، لكنها أصيبت بنكسة الارتباط بالشخصيات وهو ما يجب معالجته…». وبالرغم أيضا من أننا نحمل موروثا تاريخيا تتجلى فيه هذه المضامين، لعل خير من عبر عنها قبل ما يزيد على ألف عام، سيدنا علي رضي الله عنه في قولته الشهيرة: «يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال»، في دلالة عميقة إلى أن القيم أيا كانت لا ترتبط بالشخوص والأفراد وأنها ثابتة وما دونها إلى زوال، وأن كل بناء يقوم على شخوص بعينهم هو بناء مهزوز لا يعول عليه، ولا يرتجى منه ولا فيه أي خير.
الانطلاق نحو مئوية جديدة في عمر الدولة الأردنية يتطلب قراءة جديدة ومتأنية للمشهد العام تعيد موضعه العديد من المفاهيم والمرتكزات والمبادئ والقواعد القانونية في المؤسسات والإدارات المختلفة وصولا إلى الإدارة الموحدة للدولة كما وصفها سمو الأمير الحسن في مقاله الذي يعد بوابة ومنهجية فكرية وعملية للمئوية القادمة للدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock