أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

قرارات جريئة غير شعبوية

سلامة الدرعاوي

لا ينظر المواطن والشّارع إلى قرارات الدولة المختلفة نظرة شمولية، بل لحظية، وسرعان ما يكتشف في داخله أنها فعلا قرارات ساهمت في حمايته هو والاقتصاد الوطنيّ على المديين المتوسط والبعيد، وساهمت فعلاً بتعزيز الأمن الاقتصاديّ للمملكة في أشد الظروف وأصعبها، ولولا تلك القرارات لكان الوضع الاقتصاديّ في موقف صعب للغاية.

الكل يتذكر أن الملك كان من اليوم الأول لجائحة كورونا قبل أكثر من عامين وهو يحذر من أن العالم سيشهد أزمة غذائية حادة، وكانت توجيهاته للحكومة حينها بضرورة بناء احتياطات آمنة من القمح وغيره من السلع الأساسية التي تشكّل العمود الرئيسي لسلة الغذاء للأسر الأردنيّة.

حينها بدأت الحكومة بشراء كميات كبيرة من القمح من مختلف مصادره، مصحوبا ببناء صوامع تخزين ومستودعات للوصول إلى احتياطات آمنة من القمح، وجعل الأردن بمعزل عن التقلبات العالميّة لأسعار هذه السلعة الإستراتيجيّة، لا وجعله مركزا في المستقبل للأمن الغذائي من هذه المادة في الإقليم ومساعدة بعض دول الجوار.

القرار كان مكلفاً على الخزينة التي بدأت بتوفير مخصصات لهذا القرار الإستراتيجي والذي كان جزء منه على حساب المديونية وبعض مخصصات التنمية، فالحكومات بالعادة لديها مخزون إستراتيجي من القمح يكفيها ما بين (3-6) شهور في أحسن الحالات.

اليوم، تتمتع المملكة بأعلى مخزون إستراتيجي من القمح في المنطقة، يغطي احتياجاتها لمدة 17 شهرا، وهذه الكمية مكنت الحكومة من الحفاظ على أسعار الخبز، وتقليل خسائر الدعم قدر المستطاع، ولو كان غير ذلك، لارتفعت فاتورة دعم الخبز في الخزينة لأكثر من 750 مليون دولار بأسعار القمح اليوم.

حتى الطاقة، ورغم كل ما يقال، فإن الأردن نجى بأعجوبة من فاتورة دعم كادت أن تزيد عبء المقدر بأكثر من 1.4 مليار دولار، وذلك نتيجة مباشرة لاتفاقيات الغاز طويلة الأجل التي وقعتها المملكة مع الجوار، وتوظيف العلاقات السياسية والمعادلات والاتفاقيات المشتركة لخدمة الاقتصاد الوطنيّ وتعزيز أمنه الاستراتيجي بشكل مكن الخزينة من تحمل ارتفاعات أسعار النفط العالمية، وتحمل تثبيت أسعار المخزونات للشهر الرابع على التوالي، والذي تجاوزت كلفه الاجمالية على الخزينة اكثر من 200 مليون دولار، ولولا ذلك لكان الدعم يناهز ملياري دولار لغاية يومنا هذا.

القرارات السابقة هي مثال حيّ وواضح وصريح لنوعية من القرارات والتوجهات الاقتصاديّة الرسميّة التي لاقت مواقف شعبية رافضة لها، لا بل خرجت بعض التحليلات علينا بأنها مكلفة على الخزينة وحملت الأجيال القادمة أعباء مالية خطيرة، وخرجت الكثير من الأقاويل بأن هذه القرارات والإجراءات هي مؤامرة على الأردن وإلحاقه بالتبعية الاقتصاديّة لجهات خارجية، لكن الحقيقة أن نتائج تلك القرارت والتوجهات كانت في صالح الأمن الاقتصاديّ الوطنيّ، وحمته من تداعيات وكلف ماليّة كانت في حال حدوثها خطيرة على استقرار الاقتصاد الوطنيّ بكل ما في الكلمة من معنى، فها هي معظم دول العالم، الغني والفقير منها على حد سواء، رفعوا أسعار الطاقة والغاز والمواد الأساسية من قمح وغيره أضعافا مضاعفة، في الوقت الذي تثبت فيه الحكومة أسعار تلك السلع وتحد بكل ما لديها من صلاحيات من أي ارتفاعات على المواطن.

هذه القرارات الجريئة التي اتخذت في السابق والتي لها تداعيات إيجابية كبيرة في تعزيز الأمن المعيشيّ للمواطنين بأقل الخسائر والضغوطات الماليّة، فرغم عدم شعبيتها في بدايتها وكلفها المالية الكبيرة على الخزينة، إلا أنها كانت ناجعة وفعالة في حماية الأسر الأردنيّة من ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار معظم السلع، لذلك ليس كل قرار غير شعبي غير مجد للاقتصاد الوطنيّ، وهذا مثال حي على هذه القرارات غير الشعبية التي يجني المواطن ثمارها ونتائجها الإيجابية على أمنه المعيشي.

المقال السابق للكاتب 

المسؤولية في القطاع العام

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock