أفكار ومواقف

قرارات حكومية صائبة

يقول الله في سورة الرعد “وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينشئ السحاب الثقال”، ويظهر هذا التباين في سلوك الإنسان بين الخوف من الحرمان والجوع وغياب الأمن ناحية، والطمع في الخيرات والرزق وكل ما هو محبب إليه من مقتنيات الدنيا من ناحية أخرى. والخوف أكبر أثراً على سلوك الإنسان من الطمع، كما تؤكد ذلك سورة قريش. فالإنسان عند الخوف يرتفع صوته، وتقسو مفرداته، ويصيبه غضب أعمى لا يجعله يرى سوء ما يفعله.
ونحن عشنا خلال العام (2018) شهورا طويلة من الخوف وحوّلَنا أحياناً إلى قوم حالمين، وفي هذا تجسيد لنقيض الخوف وهو الطمع. فنحن نطمع في حلول سهلة قليلة التكاليف علينا، وننسى ما يقوله عمر بن الخطاب محذرا من أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، ونحلم ببلد يسبح فوق بحر من النفط، أو أن لدينا ثروات معدنية لا حدود لها، أو أن دولة عربية قادرة على إنقاذنا وسداد ديوننا كلها. وهذه اضغاث أحلام.
عزيز مصر رأى مناما أخافه، فأخرج يوسف عليه السلام من غياهب السجن لكي يفسر له حلمه، ويحوله إلى حقيقة قائمة على الانتاج، وحسن الإدارة والتدبير. ومرت سبع سنوات عجاف غطيت بفائض من سبع سنوات خيرات، وخزّنوا، ووزعوا بعدالة حتى ارتوى الناس من عطش وشبعوا من جوع.
وانطلاقا من هذه المقدمة، وحتى لا يقال أن الحكومة مستهدفة من قبل الحرس القديم، فإنني سأذكر بعض النقاط الإيجابية التي قامت بها حكومة الرزاز، علما أن فألها بموسم ماطر كان فألاً خيّراً. فقد منّ الله علينا بالمطر، ولعل الحكومة التي واجهت عدداً من الأزمات المتتالية والحوادث المكربة قد افقدتها كثيرا من شعبيتها. فحادثة غرق أطفال البحر الميت وسوء تنظيم ردة الفعل صورتهم بشكل سلبي في أعين الشعب الأردني، وغيرها من أمور أهمها تمرير قانون ضريبة الدخل الأخرق، والذي لا مناص من تغييره، وجعل ذلك التغيير حزمة من الإصلاح الضريبي. ورُفعت في عهدهم أسعار الفوائد، وزادت حالات الإفلاس، وتواجههم سنة تدل مقدماتها أنها لن تكون سهلة إن استمرت على تلك الحال.
ولكن الحكومة أعلنت عن البدء بتنفيذ أحد عشر سداً، وهذا أمر جيد. فعلينا زيادة بناء قدراتنا التخزينية المائية. وإن استمر موسم المطر الحالي على منواله حتى الآن فلربما يصل حجم مياه الأمطار أكثر من عشرة مليار متر مكعب من الماء، وعلينا أن نبدأ في توسيع قدرتنا التخزينية. وعليهم أن يدعموا حفر الآبار التجميعية في كل مزرعة وبيت وتجمع سكني ومركز تجاري، وأن نجعل هذا متطلبا قبل ترخيص أي بناء.
كذلك، قامت الحكومة باستمرار العمل على إعادة ضخ الغاز المصري عبر الأنبوب الذي شيد لهذه الغاية. وهذا إنجاز كبير يجب أن يظهر على كلف الكهرباء بهدف تخفيض تعرفتها على المواطنين وأصحاب الأعمال.
وكذلك، فإن زيارة رئيس الوزراء لتركيا بمعية وزير الصناعة والتجارة خطوة على الطريق الصحيح لإعادة العمل باتفاقية التجارة الحرة بحلة جديدة وشروط جديدة. وأن نبدأ العمل بجد من أجل تقوية علاقاتنا التجارية مع وسط آسيا التي تشكل تركيا إليها نقطة انطلاقة مهمة، وكذلك مع دول شرق افريقيا.
وزيارة الرئيس إلى الجمهورية العراقية أمر ممتاز، وتقدم ملموس. فالعراق يبقى أهم شريك اقتصادي مستقبلي للأردن من حيث التجارة، والسياحة، والطاقة، والمشروعات الاستراتيجية، والاستثمار والإنشاءات وسكك الحديد. وعلى الحكومة أن تبدأ ايضا بتحسين علاقاتنا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بإرسال سفير إلى هناك، وفتح الأبواب الموصدة أمام السفير الإيراني في عمان، والسماح لمزيد من الحجاج الإيرانيين بزيارة المقامات في الأردن ضمن شروط متفق عليها.
وأرى في هذا المجال ضرورة السماح بإعادة سفير من دولة قطر إلى الأردن، وتحسين العلاقات معها، ولعل قطر تزيد من استثماراتها في الأردن، وتسدد مبلغ (275ر1) مليون دولار الممثلة لحصتها في الدعم الخليجي للأردن، وقد أبدت قطر كثيرا من حسن النوايا تجاه الأردن.
هذه الإجراءات التي أتت في الجزء الأخير من السنة، يجب أن تستمر. وأن تأخذ الحكومة بعض المخاطر لتحسين علاقاتنا مع جميع الأشقاء العرب والمسلمين، لأن مخاطرة التطبيع معهم أجدى بكثير من مخاطر استمرار التراجع الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock