أفكار ومواقف

قروض المشاريع الصغيرة: خطأ مركب!

التجارب عديدة تلك التي حاولت فيها الحكومة تقديم قروض أو سلف للمواطنين من أجل تنفيذ مشاريع صغيرة أو متوسطة تدر عليهم دخلا ماليا يساعدهم على مواجهة تحديات الحياة الاقتصادية، لكن في أغلب الأحيان تسقط مثل هذه المحاولات في شرك تحولها لقروض تغطي الاحتياجات الشخصية، وخير مثال على ذلك سلف متقاعدي الضمان الاجتماعي التي بلغت قيمتها على مدى ثلاث سنوات 76 مليون دينار، حيث كانت للأسف على شكل سلف شخصية القصد منها شراء سيارة أو دفع فواتير التعليم، وما إلى ذلك.
ونتيجة لهذه السلف، التي لم يتم استغلالها في مشاريع تنموية، زادت الأعباء المالية على المستفيدين منها بدلا من أن تكون بابا لزيادة دخولهم، إذ إن عدم استثمارها ساهم في تحولها إلى ديون صعبة السداد، ما وضعهم في مأزق عدم القدرة على الإيفاء بالتزاماتهم من جانب، ومن جانب آخر قد يصل الحال بمؤسسة الضمان إلى الوقوف عاجزة أمام صعوبة تحصيل قيمة الأموال المترتبة على أولئك المقترضين.
الخطأ الكارثي هنا مركب، والمسؤولية تقع على الجهتين؛ المقترض والجهة المقرضة، والتي كان يتوجب عليها اشتراط أن تنفق أموال السلف على مشاريع تنموية تحقق الغاية منها، فليس من المعقول أن تذهب هذه الملايين أدراج الرياح بهذا الشكل. الجهات الممولة لمثل هذه المشاريع، تضع جدولا زمنيا بمراحل المشروع، ويتم تسليم المبلغ على دفعات، وفق كل مرحلة منه، وإخضاع المشروع للمتابعة الدائمة، لتأكيد إنفاق المبالغ وفق رؤية يتم تحديدها قبل الشروع في تنفيذ المشروع بواسطة دراسة مستفيضة.
الأمر هنا لا يقتصر على مؤسسة الضمان الاجتماعي، فالمعلومات الراشحة تتحدث عن توجه لمنح قروض لمساعدة المواطنين على تنفيذ مشاريع متوسطة وصغيرة، حتى لا يقتصر دور الدولة على توفير الوظائف فقط من خلال ديوان الخدمة المدنية، بل مساعدة الناس على البدء بمشاريع خاصة.
وحتى لا نقع في المأزق ذاته، فإن على الجهات التي تعتزم توفير هذه القروض أن تضمن الاستفادة منها على أكمل وجه، فالمأخذ على مؤسسة الضمان الاجتماعي أنها اكتفت بتشجيع الناس على المشاريع التنموية فقط، وهو الأمر الذي لم ينجح، لذا يجب التعامل مع التوجه الجديد بطريقة مختلفة كليا تضمن مساعدة الناس مساعدة فعلية وعملية، لا تركهم وحيدين ليغرقوا في مستنقع زيادة الأعباء المترتبة عليهم.
قبل توفير التمويل اللازم لمثل هذه المشاريع لا بد وأن يتم إعداد دراسة جدوى لها، إلى جانب تأهيل وتدريب الراغبين من الاستفادة منها، ومتابعتهم والإشراف عليهم من جهات متخصصة كل في مجاله وعدم تركهم حبيسي التجربة والاجتهاد.
تحقيق هذه المعادلة يعني أن نسب البطالة سوف تتقلص، إلى جانب نسب الفقر، لأن نجاح هذه المشاريع يعني أن شريحة كبيرة من الباحثين عن الوظيفة سيجدون لهم فرص عمل جادة ومستقرة وقابلة للتطوير.
على الحكومة التفكير بأبعاد جديدة عند تعاملها مع ملف القروض والسلف، فإذا كانت الغاية منها هي التأسيس لمشروعات صغيرة تكون قادرة على خلق فرص عمل ودخول جديدة لفئة من المواطنين، فعليها حينها أن تبني استراتيجية متكاملة لكيفية منح مثل هذه القروض، وتوفير بيت خبرة للمستفيدين من أجل رفع نسب نجاح تلك المشروعات. أما إذا كانت تتعامل معها على أنها مجرد قروض شخصية، ولا يعنيها سوى منحها، فيتوجب عليها حينها أن تتحمل تبعات ما يلحق ذلك من إعسار وضنك جديد يضاف إلى حياة المواطن.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock