ثقافة

قصائد تؤنث الأشياء في أمسية جرش الشعرية الثانية

مدني قصري

عمان – هو الشعرُ يبقى… سلاما جميلا لصنع السلام! هو الشعرُ سيّد هذا الكلام، وذاك الكلام! منذ بدْء الخليقة والشعر زادُ القلوب، وبدْءُ الخُطى في الدروب، ومسكُ الختام!
اختار الشاعر علي البتيري الذي أدار الأمسية الشعرية التي استضافتها رابطة الكتاب مساء أول من أمس، ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون، هذه الأبيات الشعرية ليرحّب بضيوف الأمسية من الشعراء.
وكانت البداية التي انطلقت في حدود الخامسة مساء مع الشاعر أحمد الخطيب الذي شنّف آذان مُدمني الكلمة الجميلة المعبرة بمجموعة من القصائد، ومنها قصيدة “الجهات” يقول فيها: “أكرمي جملتي، ثم خيطي الندى، فالمرايا على سنّها العبقري، تنادي على وجهةِ الأرض فينا، وفينا، أنا والجهات عقارب وقتٍ تقصّتْ يد الأشقياءِ، وهرّت على منزلي، رمل أيامنا السّود، لم تتكئ مثلَنا، جمرة، أو حنينا، لهذا، رحلْنا من الوقتِ حتى غروب الرواسي، وعشنا، أنا والجهاتُ”.
 وفي قصيدته “يموت الذئب أو تفنَى الغنم” يسترسل أحمد الخطيب في شاعريته المتأملة فيقول: “مرّوا على مَهَلٍ، ومرّوا مُسرعين، هُم هكذا، ولدٌ يُلاحق ظلَّهُ في الليل، يستهدي بدندنةِ الألمنويرى حقولَ الغيبِ من مدنٍ ومن مرعَى، تسافر في الحكاية منذ ألف قصيدة، ترعَى على سوقِ العدم”.    
وأمتعَ الشاعر خالد أبو حمدية الحاضرين بجملة من قصائده، ومنها قصيدته الغزلية “أشواق” ومطلعها: “نذرت لسحر ملمحك اندهاشي، وذوّبت المتون على الحواشي ففي تسنيم عينك لي مزاجٌ، وفي شفتيك علّقت ارتعاشين (…) أصوغكِ طائرًا ورؤايَ عشا!، وأعكف فيهما والخطو ماشي أفيض صبابَة يا بنت قلبي، وأرثي دفْقهُ بكِ وانتعاشي، كسرت بلهفتي خيلاء كسرى، وسقت إليك أشواق النجاشي، لتبقى دمعتي ناموس وجدٍ، يقلب جمر نأيك في فراشي”.
 وفي قصيدته “تعلّقت خّجْلى” يقول الشاعر الولهان خالد أبو حمدية: “ما ظل صاحب صبوة ومناج، فتسلّلي من عتمة الأدراج، من بيض أوراقي ونبض حروفها، فحدودُ عِفّتها بغير سياج، يا لهفة الطفل الطريد بداخلي، ما بين مغلول اليدين وراج،(…) وسريتِ ناراً في هشيم هواجسي، هيّجتني، لو تلجمين هياجي، وتشرّعين لحيرتي أوطانها- في مقلتيك عسى يعود اللاجي”.     وقرأ محمد العزام مجموعة من القصائد، ومنها قصيدته الجميلة “حيث انتهيت” التي تنم عن حنين دافئ إلى أنثاه، يقول فيها: “سأعود من حيث انتهيت، وأطارد الكلمات، تهرب فوق أرصفة القصيدة، مثل قط، خائف من قَفْلة المعنى، هنا، ويفرّ من بيتٍ لبيت، سأعود من حيث انتهيت، إلى يديكِ، أُؤَنث الأشياء باسمك،(…) أتُرى بدوتُ لها بكامل غربتي وقصائدي، وأنا أحاول أن أبادلها الصباح؟”. وفي قصيدة أخرى “شاهد عيان يقول العزام: “كنت المسجى فوق شاشتكم، فلا تستغربوا، قدَماي في وجه الرصيفِ، ورأسي المُلقى على كتفين من أسفلتْ، يتناوبان على رواية قصتي، طعمُ الرصاص المرَ، يزعجني..، ويفتح ألف نافذة، على وجه انتظاري!، هل سيكفي الموت؟!،(…) سأجعل روحي، طريدتكم، في سفوح المساء، فمن كان منكم، على وطن، في الحقيقة، فليرمها، بحجر!”.
وكان ختام أمسية الرابطة مع الشاعرة والإعلامية السورية قمر صبري جاسم القادمة من سورية منذ حوالي شهرين، التي قرأت قصيدة بعنوان “رعب رمادي” تصف فيها مأساة شعبها وذويها في سورية الثائرة. “رعب رمادي، وما أدراك ما الرّعبُ الرمادي، حلمٌ تغرغرت العيونُ بطيِفِه، عند انغلاق الجفنِ فوق شقيقِه، في لحظةٍ بين التفكَر والسهاد، ذاك السرابُ إذا تعثَرت القوافلُ، ذلك الشَّفقُ المُندَّى بين خط الفقر، والأحلام والقلق المُعادي، مطرُ الأرزّ على الأراملِ والثكالى، حيث يتحد البياضُ مع السوادِ، رعبٌ رمادي، يمرّرُ لونَه، عبر الصليبِ من الهلال، إلى الطوائفِ والفئاتِ، من السهول إلى الجبال، على مفارق شيبِنا في سعينا نحو المُحالِ، إلى التوحُّد والتحرّر تحت نيرِ الاحتلال، وحين تُخبرنا المذيعة إننا مُتْنا، ويصدُقُ حَدْسُها، يرتدّ منا، بين قهوة مأتمٍ والعرسِ..، بين تصوّف الأحلام والإلحاد، عند اتحاد الإصبع المنشقّ عن أقرانه بالزر، أو يهوي على شَفةِ الزناد”.
هل يشهد الشعر العربي مخاضا جديدا يسبق ولادة عسيرة في هذا الربيع العربي الذي امتدت فصوله وطالت؟ توجهت “الغد” بهذا السؤال إلى الشاعرة السورية قمر صبري الجاسم فقالت بعفوية: “الشعرُ في كل مكان يؤدي رسالته. فالشاعرُ الحقيقي هو مَن يكتب ما سوف يحدث، لا ما حدث. لذا فإن هذه الفورة الشعرية هي تصويرٌ لما يحدث الآن، وقد جعل النشرُ عبر الوسائل الإلكترونية الشعرَ حالةً فوتوغرافية لا أكثر”.

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock