تحليل إخباري

قصة تهريب الآثار الأردنية

د. محمود عبابنة

مقالتي لهذا اليوم هي قصة قصيرة تقوم على وقائع حقيقية ثابتة بمحاضر المدعي العام الإيطالي ومحاضر المدعي العام الأردني القاضي الحالي زياد الضمور، وقد مثل أدوارها أربعة ابطال توازعوا أدواراً مفصلية بين أدوار الشر وأدوار الخير، أما أدوار الشر فقد أداها مُهرب الآثار الأردنية، وهو يوناني الجنسية ويدعى “يورغس” وبعض موظفي دائرة الآثار العامة، في حين قام بأدوار الخير وبكفاءة عالية كل من مدعي عام عمان في ذلك الحين القاضي الحالي “زياد الضمور” والمدعي العام (الانثى) الإيطالية “فيوريلا دي بيانكا”، وإليكم وقائع هذه القصة القانونية:

في صيف عام 2000 ولدى وصول إحدى السفن المبحرة من العقبة الى ميناء “رافينا” في إيطاليا، وبعد الكشف عليها من سلطات الميناء تم اكتشاف كمية ضخمة من الآثار الأردنية المهربة والمشحونة عن طريق ميناء العقبة تحت غطاء ووثائق صادرات أردنية من الأثاث الى إيطاليا.

قامت السلطات الأمنية والقضائية الإيطالية بمباشرة التحقيق وأحيلت التحقيقات الأولية الى مدعي عام مدينة “رافينا” الآنسة “فيوريلا دي بيانكا” التي باشرت التحقيقات مع القبطان والتعميم على صاحب الشحنة اليوناني.

قام المدعي العام الإيطالي الآنسة “فيوريلا “ بالاتصال بالسفارة الأردنية في روما وطلبت الحديث مع سعادة السفير الذي نجهل اسمه ولم يكن موجوداً في ذلك الصباح الباكر، فطلبت من موظفي السفارة أن يتصل بها عند وصوله، وفور وصوله وسماعه طلب استدعائه للمدعي العام في مدينة رافينا أصيب بالهلع واتصل بها يذكرها بأنه دبلوماسي ويتمتع بالحصانة، تقول ضاحكةً عندما تم الاجتماع معها “ قلنا له لا تخف فالقضية وما فيها أن لديكم آثارا أردنية مُهربة تم ضبطها في ميناء المدينة وتعالوا استرجعوها، مما هدأ من روعه، فأبرق على عجل للخارجية أو الجهات المسؤولة بالأردن.

وصلت اخبار القضية الى النائب العام الأردني في ذلك الوقت والذي بدوره أحال الأخبار الى دائرة المدعي العام وسُجلت القضية التحقيقية لدى المدعي العام زياد بك الضمور، والذي بدوره، وبناء على المعلومات المتوفرة الواردة إليه من إيطاليا، باشر التحقيق مع عدد كبير من موظفي دائرة الآثار العامة، ومع أحد أصحاب المناجر المتورط في منطقة وادي السير، كما توصل المدعي العام الى أن دائرة الآثار متعاقدة مع الخبير الآثاري اليوناني (اللص) لتصنيف آثار مقبرة أثرية تم العثور عليها في منطقة غور الصافي وتم الانتقال الى مكان إقامته في منطقة الشميساني وتبين أنه استأجر شقة استعملها لتكون مستودعاً يضع فيها الآثار المسروقة من الموقع ومن اماكن اخرى، تبين أن اليوناني لم يكن يعمل وحيداً بل أن موظفين بدرجات عالية متورطون حتى اخمص اقدامهم.

أما عن المشهد الإيطالي فقد وصل المدعي العام الإيطالي الآنسة “بيانكا” الى نتيجة تقضي بأن السفارة الأردنية لم ولن تلبي متطلبات التحقيق ونقل الشهادات، فقررت تقديم طلب للنائب العام الإيطالي برغبتها بالسفر الى الأردن لاستكمال التحقيقات، حتى نتمكن من إصدار قرار الظن بحق اليوناني الذي جرى التعميم عليه، ووافق النائب العام الايطالي على الفور، فحضر المدعي العام الآنسة “بيانكا” ومعها ثلاثة ضباط مرافقين من مكافحة التهريب، وضابط آخر من سلطة الآثار الإيطالية وحارس شخصي.

بناء على انتداب من وزير العدل الأردني وقتئذٍ د. حمزة حداد ولعلمه بأنني درست في روما وأتقن اللغة الإيطالية، تم انتدابي للتنسيق وإجراء التعارف بين كلا المدعين العامين، وبيان الغايات التي حضر المدعي العام الآنسة “بيانكا” لتحقيقها وعلى مدى يومين واظب المدعى العام الايطالي الآنسة “بيانكا” بالحضور الى مكتب المدعي العام الأردني للعمل سوياً لفكفكة موضوع هذه القضية التي كان يجري التحقيق بها في ايطاليا والأردن، ثم يعودان الى مكتبي، وأكون أنا قد أنهيت النظر في القضايا المعروضة في قاعات المحاكم، وكان حديث الضباط وبشكل خاص المدعي العام الآنسة “بيانكا” يدور حول التنظيم الموجود في قصر العدل وجمال المبنى وعن كفاءة المدعي العام الأردني السيد زياد الضمور، وسرعة بديهته وسلامة الإجراءات التي قام بها، وكان الحديث يتكرر وهي تصفه بالـ(meraviglioso) ومعناها (الرائع) وأخذت تكرر ذلك كل يوم لدرجة انني ولولا أن الآنسة “بيانكا” أفصحت أن لها خطيباً ينتظرها في إيطاليا لقلت إنها تعلقت به.

وفي اليوم الثالث والأخير دُعينا جميعاً وبرفقة السفير الإيطالي الى منزل وزير العدل الأردني في دابوق وتناولنا طعام العشاء، ثم غادرنا برفقة المدعي العام الإيطالي والضباط المرافقين وخطر على بالنا أنا وزياد بك أن نودعهم بجولة في عاصمتنا التي نحبها وقد تم ذلك، ثم دلفنا الى أحد المقاهي الشعبية لتناول الشاي والقهوة وطلب الطليان تدخين الأراجيل، وأوسعوها شهيقاً وزفيراً والتقطوا صوراً تذكارية ونحن نشاركهم بهجة الصداقة والمحبة والإعجاب.

وختاماً نستخلص من هذه القصة القانونية ما يلي:
1-أن مقولة “الحق على الطليان” ليست صحيحة بالمطلق.
2- أن اللص اليوناني حضر الى الأردن متعاقداً مع دائرة الآثار العامة واستقبل بالترحاب واستطاع أن يجند الى جانبه عدداً لا بأس به من المتعاونين على تهريب آثار بلدهم من موظفين بالإضافة الى صاحب المنجرة.
3- أننا ما نزال نعيش في ظل قضاء نزيه وكفء، وأن لدينا مدعين عامين وقُضاة نفتخر بهم.
4- أن طلبا بسيطا لمدعي عام عمره المهني 5 سنوات للسفر للخارج لاستكمال التحقيق أجيب على الفور وتعززت الإجابة بمرافقة ثلاثة ضباط أحدهم لحراسة المدعي العام الإيطالي.

للمزيد من مقالات الكاتب: 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock