فكر وأديان

قصة جمع القرآن الكريم (3-2): عهد أبي بكر الصديق

أسامة شحادة*

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وتولي أبي بكر الصديق الخلافة، كان التصدى للمرتدين أول مهمة قام بها أبو بكر رضي الله عنه. وكان في طليعة من تصدى للمرتدين أهل القرآن الكريم من الصحابة الكرام، ذلك أن أهل القرآن هم الطليعة والقدوة في كل شيء.
ففي معركة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب، وهي المعركة الفاصلة مع المرتدين، كان شعار الصحابة الكرام: “يا أصحاب سورة البقرة يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال”. وقد استشهد في هذه المعركة ألف ومائتا شهيد، كان منهم 70 من قراء القرآن الكريم. ولاحظ الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، خطورة استشهاد حفظة القرآن، لأن القرآن الكريم الأصل فيه تُلقي مشافهة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال للخليفة أبي بكر رضي الله عنهما: “إن القتل استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشي أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن. وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن” (رواه البخاري).
من هنا كانت البداية لجمع القرآن الكريم في زمن الصديق في مصحف واحد بين دفتين، مرتب السور. وهو ما سنستعرض خطواته في النقاط التالية:
1 – اقتراح الفاروق بجمع القرآن الكريم، يدل على متانة وعمق المنهج الذي تعلمه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم؛ بالأخذ بالأسباب نحو حمل أمانة القرآن والرسالة للبشرية جمعاء. كما يدل على عبقرية الفاروق وبعد نظرته الاستراتيجية، وملكة الاجتهاد لديه. وفي قبول أبي بكر لاقتراح الفاروق نموذج مشرق لقبول الحاكم النصيحة المخلصة، ومن هنا جاء الأمر الإلهي للمؤمنين والمسلمين باتباع سبيل الصحابة الكرام في قوله تعالى: “وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا” (النساء، الآية 115)؛ وهل كان المؤمنون عند نزول هذه الآية الكريمة إلا الصحابة؟ وقال تعالى: “فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ” (البقرة، الآية 137).
2 – لما اقتنع الخليفة أبو بكر برأي عمر، استدعى زيد بن ثابت؛ أحد كتاب الوحي وأحد علماء الصحابة، وكلفه الخليفة بمهمة جمع القرآن وقال له: “إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتتبع القرآن فاجمعه”.
وقد كان زيد جارا للنبي صلى الله عليه وسلم، يستدعيه حين نزول الوحي ليكتبه. وقد وصف لنا زيد كيف كان يكتب القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: “كنت أكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته برحاء شديدة وعرق عرقا شديدًا مثل الجمان، ثم سُرِّي عنه. فكنت أدخل عليه بقطعة الكتف أو كسرةٍ فأكتب وهو يملي علي، فما أفرغ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثقل القرآنِ، حتى أقول لا أمشي على رجلي أبدًا. فإذا فرغت قال اقرأْ. فأقرأه. فإن كان فيه سقطٌ أقامه ثم أخرج به إلى الناس”. ونلاحظ هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراجع معه المكتوب (فإن كان فيه سقط أقامه)، لنعرف مقدار الدقة التي كتب بها القرآن منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
3 – ما الذي قام به زيد بأمر الخليفة أبي بكر الصديق؟
الذي قام به زيد أنه جمع القرآن الكريم المكتوب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بين دفتين في صحف متتابعة مرتب السور، وفي مكان واحد، بعد أن كان مكتوباً مفرقا على أشياء مختلفة (صحف، عظام، حجارة، جريد النخل…)، وفي أمكان متعددة.
قال الإمام البغوي في شرح السنة: “سعي الصحابة كان في جمعه -أي القرآن- في موضع واحد، لا في ترتيبه؛ فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على الترتيب الذي هو في مصاحفنا، أنزله الله -تعالى- جملة واحدة في شهر رمضان ليلة القدر إلى السماء الدنيا”.
4 – كيف نفذ زيد مهمة جمع القرآن؟
أولاً: قام الفاروق بالإعلان للناس عن إحضار ما لديهم من القرآن مكتوباً.
ثانياً: جلس زيد والفاروق على باب المسجد يستقبلون ما يجيء به الصحابة من القرآن.
ثالثا: كان يطلب من كل من جاء بشيء من القرآن إحضار شاهدين على أنه كتب هذا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: قام زيد بكتابة القرآن من خلال مطابقة ما كتب من القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بما يحفظه الصحابة في صدورهم من القرآن.
قال زيد: “فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره”، أي لم يجدها مكتوبة إلا عند أبي خزيمة، وإلا فزيد وغيره من الصحابة يحفظ هذه الآيات، لكنه يريد أن تكون الآيات محفوظة ومكتوبة، وذلك لزيادة التوثيق والاحتياط.
5 – كانت بداية مهمة جمع القرآن بعد معركة اليمامة في نهاية السنة 11 للهجرة، وانتهت قبل وفاة أبي بكر في منتصف سنة 13 للهجرة.
6 – بعد كتابة القرآن وجمعه، سُلم لأبي بكر الصديق وبقي عنده حتى وفاته. ثم بقي عند عمر حتى استشهد على يد أبي لؤلؤة المجوسي، فبقي عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما. ثم طلبها عثمان لينسخ منها نسخا للأمصار -وهذا سنفصله في المقال المقبل- وأعادها لحفصة. فلما توفيت حفصة سنة 41 للهجرة، طلب أمير المدينة مروان بن الحكم هذه الصحف من عبدالله بن عمر وأتلفها، حتى تجتمع كلمة المسلمين على المصاحف التي نسخت عن مصحف الصديق ووزعت في البلاد بأمر عثمان رضي الله عنها.
وبهذا، أصبح القرآن الكريم مكتوباً ومرتباً ومجموعاً في مكان واحد، وذلك وفق أعلى معايير الضبط والتوثيق، ومن خلال عمل جماعي وعلمي وشفاف، أجمع الصحابة كافة رضوان الله عليهم على دقته وصحته وسلامته من الزيادة أو النقصان، بفضل الله وتوفيقه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة واحدة فقط.

*كاتب أردني

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock