فكر وأديان

قصة جمع القرآن الكريم (3-3): عهد عثمان ذي النورين

أسامة شحادة*

توفي أبو بكر الصديق وقد جمع القرآن الكريم كاملاً في مصحف بين دفتين وفي مكان واحد، بعد أن كان مجموعاً في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، في صدور الصحابة، ومكتوباً على مواد متنوعة في أماكن متفرقة.
أما الفاروق عمر بن الخطاب، وهو صاحب المبادرة إلى مشروع الأمة بجمع القرآن الكريم، والمشارك فيه، فقد كان طيلة خلافته التي استمرت عشر سنين، مهتما بنشر القرآن وتعليمه وتحفيظه للمسلمين. ففي الطبقات الكبرى لابن سعد، عن محمد بن كعب القرظي قال: “جمع القرآن في زمان النبي خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل وعبادة بن صامت وأُبيّ بن كعب وأبو أيوب وأبو الدرداء. فلما كان زمن عمر بن الخطاب، كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا وربلوا وملأوا المدائن واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم. فأعنّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم. فدعا عمر أولئك الخمسة فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني رحمكم الله بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا. فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير لأبي أيوب وأما هذا فسقيم لأُبيّ بن كعب. فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء. فقال عمر: ابدأوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن، فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس. فإذا رضيتم منهم، فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق والآخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس، أقام بها عبادة وخرج أبو الدرداء إلى دمشق ومعاذ إلى فلسطين. أما معاذ، فمات عام طاعون عمواس، وأما عبادة فصار بعد إلى فلسطين فمات بها، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات”.
وجاء في ترجمة نافع بن ظريف بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف النوفليّ، عند ابن حجر في كتابه “الإصابة”، أنه كتب المصحف لعمر. وروى أبو داود في كتابه “المصاحف”، أن عمر كان يُسر حين يرى مصحفاً عظيماً مع الناس.
ثم جاء عهد عثمان بن عفان “ذي النورين” العام 23 للهجرة، فتوسعت الفتوحات، ودخل كثير من الأمم الأعجمية في الإسلام. ويكفي أن نعرف أن دولة الإسلام في عهد عثمان وصلت الصين شرقاً وتونس غرباً وأرمينيا وأذربيجان شمالاً. وانتشر بين هؤلاء الأقوام والأمم معلمو القرآن الكريم من الجيل الثاني والثالث، من التابعين وتابعي التابعين، الذين تتلمذوا على الصحابة الذين نشرهم الفاروق في البلدان. ومعلوم أن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف، تسهيلاً وتيسيراً على الأمة، وكان الصحابة يقرأون بها.
ولكن بسبب حركة الفتوحات والجيوش، كان يختلط أهل الشام وأهل العراق وأهل مصر، فتختلف قراءتهم للقرآن بسبب عدم معرفتهم بنزول القرآن على سبعة أحرف، فتحدث مشاحنات ومشاجرات. وقد تنبه لخطورة هذا بعض الصحابة، منهم حذيفة بن اليمان؛ وهو الصحابي البصير بمعرفة الفتن القادمة على الأمة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد خصه بمعرفة أسماء المنافقين.
كان حذيفة مع جيش أهل الشام في فتح أرمينيا، ثم ذهب لفتح أذربيجان مع أهل العراق في نهاية العام 24هـ، وكان معه سعيد بن العاص فقال له حذيفة: “أما لئن ترك الناس ليضلن القرآن ثم لا يقومون عليه أبداً. قال: وما ذاك؟ قال: رأيت أمداد أهل الشام حين قدموا علينا، فرأيت أناساً من أهل حمص يزعمون لأناس من أهل الكوفة أنهم أصوب قراءة منهم، وأن المقداد أخذها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويقول الكوفيون مثل ذلك. ورأيت من أهل دمشق قوماً يقولون لهؤلاء: نحن أصوب منكم قراءة وقرآنا، ويقول هؤلاء لهم مثل ذلك”. ولما عاد حذيفة للكوفة، وجد الناس هناك أيضاً يختلفون في قراءة القرآن، بين قراءة عبدالله بن مسعود أو أبي موسى الأشعري أو المقداد أو سالم. فغضب حذيفة وقال: “والله لئن عشت حتى آتي أمير المؤمنين لأشكون إليه ذلك، ولآمرنه ولأشيرن عليه أن يحول بينهم وبين ذلك”. وسافر حذيفة للمدينة لمقابلة عثمان الخليفة، وقال له: “يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى”.
ولعلاج هذه المشكلة، شاور عثمان الصحابة في توحيد المصاحف في البلدان، باعتماد نسخة منقولة من مصحف أبو بكر الصديق، وتكون بحرف قريش، لتجتمع كلمة المسلمين على مصحف واحد بعد أن كثر غير العرب في المسلمين، الذين لا يدركون لغات العرب والأحرف السبعة.
يقول الخليفة الرابع علي بن أبي طالب: “دعانا -عثمان- فقال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضكم يقول: قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا، وإنكم إن اختلفتم اليوم كان لمن بعدكم أشد اختلافا. قلنا: فما ترى؟. قال: أن أجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: فنعم ما رأيت”.   
ولتنفيذ هذا القرار، قام عثمان بما يلي:
1 – أرسل إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر أن ترسل له مصحف الصّديق لينسخ منه مصاحف للبلاد، ثم يعيده لها. وفعلاً أعاده لها.
2 – شكل لجنة من كل من زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام، لنسخ المصاحف. وقد شاور عثمان الصحابة في ذلك، فقرروا أن يمليَ سعيد بن العاص لكونه أعرب الناس، وأن يكتب زيد لكونه أكتبهم.
3 – وزيادة في الاحتياط، تمت مقارنة ما كتبه زيد من مصحف الصّدّيق بما هو مكتوب عند الصحابة، فكان مطابقاً. وأيضاً، كانت تتم مراجعة ما كتب زيد حذراً من السهو أو الخطأ أو النقص.
4 – حدد عثمان المنهج العلمي لكتابة المصحف، فقال لأعضاء اللجنة القرشيين الثلاثة: “إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم”. ففعلوا. ومثال ذلك، اختلاف اللجنة في طريقة كتابة كلمة “التابوت” هل تكتب بتاء مفتوحة أو مربوطة، فرفع الأمر لعثمان فأمر بكتابتها على لسان قريش بالتاء المفتوحة. وعثمان أصلاً من كتبة الوحي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
5 – كان عثمان يستشير كبار الصحابة من كتبة الوحي في مواضع اختلاف اللجنة في كتابة بعض الكلمات؛ فقد أرسل لأُبيّ بن كعب بكتف شاة فيها “لم يتسن”، وفيها “لا تبديل للخلق”، وفيها “فأمهل الكافرين”؛ يستشيره في الكتابة الصحيحة لها.
فقام أُبيّ بن كعب فمحا إحدى اللامين، وكتب “لخلق الله”، ومحا “فأمهل” وكتب “فمهل”، وكتب “لم يتسنه” ملحقا فيها الهاء.
6 – بعد نسخ مصحف الصّدّيق من قبل اللجنة، تمت الاستعانة ببعض الصحابة الآخرين لنسخ عدة نسخ من المصاحف لتسريع العمل. ثم أرسلت نسخة إلى كل من البصرة والكوفة والشام ومكة واليمن والبحرين، وبقي مصحف عند عثمان بالمدينة. ومع كل نسخة أرسل مقرئ، لأن التلقي الشفوي هو الأساس في تعلم القرآن الكريم، كحال النبي صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام.
7 – أمر عثمان بجمع وإحراق أي نسخة من المصحف بخلاف هذه التي أرسلها، حتى ينتهي الخلاف وتتوحد كلمة المسلمين على مصحف إمام جامع.
وقد أجمع الصحابة على صواب فعل عثمان بجمع الناس على مصحف واحد، وتحريق ما عداه. ويكفي في هذا قول الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب: “اتقوا الله في عثمان ولا تغلوا فيه، ولا تقولوا حراق المصاحف، فوالله ما فعل إلا عن ملأ منا أصحاب محمد… رحم الله عثمان، لو وليته، لفعلت ما فعل في المصاحف”.
وقد بقيت هذه المصاحف التي أرسلها عثمان عند المسلمين يعظمونها ويتوارثونها. فمصحف الشام بقي عند بنى أمية مدة خلافتهم، ثم أرسل لعبدالرحمن بن معاوية، المعروف بعبدالرحمن الداخل أو صقر قريش في الأندلس، فأوقفه على جامع قرطبة، وكان يقرأ الإمام منه يوميا بعد صلاة الفجر، وبقي هناك إلى العام 552هـ، حين دخل الغزاة الجامع بدوابهم ومزقوا المصحف. وقد جمعت صفحاته بجهد، ثم نقل لمراكش في المغرب على يد مؤسس دولة الموحدين. ويذكر بعض العلماء أنه شاهد المصحف المكي العام 657هـ. 
هكذا توحدت الأمة الإسلامية على مصحف واحد عبر تاريخها الطويل؛ مصحف كتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمع الصحابة على دقته وسلامته من النقص والزيادة، إذ تم توثيق آياته من خلال عمل علمي موضوعي شفاف، قام على حفظ العدول الثقات، مع مطابقته بما كتبه كتبة الوحي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الجهد العلمي قد شهد له المنصفون من غير المسلمين، فهذا أحد المستشرقين يقول: “إن القرآن -يقصد المصحف المعاصر- إذا جرد من الشكل والتنقيط وبعض التعليقات عند أول سورة من كونها مكية أو مدنية، ومن ذكر عدد آياتها، يكون تماما هو القرآن الذي أنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم”.
وما تزال الأمة الإسلامية تتعاهد حفظ القرآن الكريم وجمعه في صدورها بالأسانيد المتصلة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبالصحف المكتوبة عن المصحف الأول، مصداقا لقوله تعالى: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (الحجر، الآية 9).

*كاتب أردني

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock