هناك كتاب لا يحول الاستشهاد به ولا يزول، لا سيما في الأوساط الدينيّة والقوميّة المتشدّدة. انه كتاب “بروتوكولات حكماء صهيون” الذي انتقلت عدوى اعتماده مرجعاً منزّهاً من أقصى اليمين المسيحي الأوروبي الى غلاة القوميين والإسلاميين العرب. وذلك ما حصل على دفعات فيما كانت الهزائم، في أغلب الأحيان، ما يزكّي ميلنا الى ترجمته بحماسة والتعامل معه بجدية مفرطة.


والحال أن الكتاب المذكور لا يحسن فهمه إلا بالعودة الى السياق التاريخي الأعرض الذي ظهر فيه. فمع تقدم التحرر والاندماج اليهوديين في أوروبا، اواخر القرن التاسع عشر ومطالع العشرين، أصبح اليهود أشد بروزاً في الأعمال والمصارف والأدب والفنون والصحافة والسياسة. وكانوا، في ذلك، مثلهم مثل كل أقلية مهيّأة، بعد تاريخ من الاضطهاد والانكفاء على التعليم، للتعامل مع قيم الحداثة والمساواة والاستفادة منها.


لكن ما من شيء بدا أصعب على الطبقات الوسطى الأوروبية، خصوصا التجار الصغار والمزارعين، من ان يقبلوا الهزيمة والانهيار للنظام القديم مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وتداعي الامبراطوريات الشائخة. كذلك لم يستسغ أهل النظام القديم اقامة جمهورية فايمار، اول دولة ديموقراطية حقيقية في المانيا. وبدوره، لم يتكيّف المجتمع الالماني مع التطورات الموازية التي سمحت لـ “البرانيين” (outsiders) – كالاشتراكيين الديموقراطيين واليهود- بالحصول على سلطة وحقوق وفرص متساوية.


أما في حالة النساء، فرُفضت الفرصة التي بدأت تُتاح لهن لتوطيد مواقعهن في الحياة المهنية والاكاديمية. وكان لأنماط السلوك المتحررة الناشئة في المدن الأوروبية الكبرى أن فاقمت مشاعر الاستياء في بيئة التقليديين. وفي وقت لاحق، تأكدت المخاوف من انحدار اقتصادي ظهرت طلائعه مع تضخم 1922- 1923، حين دُمّـرت ثروات قديمة كثيرة، قبل أن يحل كساد 1930- 1932، حين فقد اكثر من 6 ملايين شخص أعمالهم.


في السياق هذا، أطلقت أوروبا المحافظة عدداً من”الأفكار” الخرافية، متهمةً اليهود والشيوعيين والماسونيين والليبراليين على أنواعهم، ومعهم الفن الحديث – من الجاز الى الموسيقى والكتابات الحديثة-، بالوقوف وراء ما يجري.


وقد ظهر “بروتوكولات حكماء صهيون” ليكون “تفسيراً” لبعض التحولات هذه وهي لا تزال في أوّلها. فنُشرت منه، بعد عقود قليلة على صدوره، عدة طبعات وملايين من النسخ، حتى جُعل يُقارَن بالتوراة لجهة عدد اللغات التي تُرجم ويُترجم اليها.


والبروتوكولات انما ظهرت للمرة الأولى في حوالى 1895. وهي، في ما بات يقارب التأكيد، عمل وضعه اعضاء البوليس السري القيصري العاملون في باريس. لكن الكتاب لم يُستعمل، في البداية، الا في روسيا، وحتى هناك بقي تأثيره ضئيلا إذ تنبّه الوسط الأكثر تعليماً الى أن هدفه التخويف من الشيوعيين الذين “ينفّذون مؤامرة يهودية”. بيد أن شهرته على نطاق عالمي شرعت تتحقق بعد ثورة 1917: ففي إبّان الحرب الاهلية المُرّة خلال 1918- 1921 استخدم قادة الجيش الأبيض، الموالي للعرش والكنيسة الأرثوذكسيّة، البروتوكولات استخداماً موسّعا لاقناع الشعب بأن الثورة ليست اكثر من مؤامرة لفرض حكومة يهودية على روسيا، وأن الحكومة تلك مجرد خطوة نحو الهدف النهائي الذي هو “السيطرة اليهودية على العالم” بأسره.


والحق ان الكتاب و”الأفكار” التي نشرها كان لها تأثيرها الواضح في إثارة المذابح الوحشية التي استهدفت اليهود أثناء الحرب الاهلية تلك. في الوقت نفسه حمله عملاء الروس البيض الى كافة بلدان اوروبا والى الأميركيتين، ليكون دليلاً يؤكد صحة تفسيرهم لطبيعة الثورة والحكومة الجديدة في موسكو، ولإنذار باقي الحكومات والمجتمعات الغربية ودفعها الى التضامن والتشدد ضد العهد البلشفي.


هكذا تضافر الخوف من الشيوعية والخوف من التحولات الاجتماعية والقانونية، بما فيها إحلال المساواة بين الأوروبيين في معزل عن أديانهم، وإحلال المساواة بين الجنسين، لتؤمّن للكتاب رواجاً غير عادي. فهو يوفّر التفسير لأحداث تبدو للوهلة الأولى خارقة، كما يحدد ويعيّن المسؤول عن هذا الانهيار الذي يصيب النظام القديم. ففي بريطانيا، مثلاً، وتحت تأثير بعض المسيحيين القوميين المتعصّبين، أولت صحيفتا “التايمز” و”المورننغ بوست” عناية موسعة للبروتوكولات. بل طالبت”السبكتايتر” بتأليف لجنة ملكية لتقرر ما اذا كان اليهود البريطانيون في


الحقيقة”خاضعين لحكومة سريّة”. وفي الولايات المتحدة، انتشرت البروتوكولات على نطاق واسع تحت عنوان”الخطر اليهودي”، وتزعّم توزيعَها والاعلان عنها قطب صناعة السيارات هنري فورد الذي كان لاسامياً مهووساً كتب سلسلة مقالات عن”اليهودي العالمي” نشرها في صحيفته “ذي ديربورن انديبيندنت”، قبل ان يعيد نشرها في مسلسل من الأجزاء أسماه”اليهودي العالمي” صدر لاحقاً في كراس مستقل.


وتولّت إذاعةَ هذا الكتاب وتعميمَه في بريطانيا كاتبة ومؤرّخة بريطانية كارهة لليهود، هي نيستا هـ وبستر. فقد اهتمّت في عشرينيات القرن الفائت بتاريخ الثورة الفرنسية، وتأثّـرت بمناخ المخاوف التي أطلقتها الثورة البلشفية في روسيا. وجاءت عناوين كتب وبستر تفصح عن نظرتها القياميّة والتآمريّة للتاريخ. فبين أعمالها”الثورة العالمية: المؤامرة ضد الحضارة” و”الجماعات السرية والحركات التخريبية”، حيث يصوّر الكتابان اليهود بوصفهم قوى شريرة لا تكفّ عن التآمر. أما المؤامرة، عندها، فترجع إلى القرن الثامن عشر، مع مجموعة بافارية غامضة تدعى”المستنيرين”(Illuminati) تولّت دفع الأمور تهديماً وتخريباً، وصولاً بها إلى الثورة البلشفية. وهذا، طبعاً، من دون اهمال الدور الماسوني والمرجعية الدائمة لـ”بروتوكولات حكماء صهيون”.


لكن اليوم التالي كان يوم الفضيحة. ففي1921 نشرت “التايمز” اللندنية نفسها بضعة مقالات لمراسلها في اسطنبول الذي اكتشف وثائق تقطع بأن البروتوكولات مزوّرة بأمّها وأبيها. وما لبث هنري فورد إياه أن اعترف، في1927، بأن اتهاماته لا أصل لها بالمرّة.


وهو ما لم يحل دون مضي البعض، هنا وهناك، في اعتماد هذا الكتاب المزعوم تفسيراً لهزائم لا يريد أحد أن يعترف بمسؤوليّته عنها!


كاتب لبناني مقيم في لندن

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock