أفكار ومواقف

قصة مبادرة “الحكومات الشفافة” في الأردن

في العام 2012 كنت في اجتماع عمل مع الخبير الدولي توبي ماندل نناقش التحديات التي تواجه إنفاذ حق الوصول الى المعلومات في الأردن، وسألني مستغرباً كيف يحدث ذلك والحكومة الأردنية انضمت لمبادرة شراكة الحكومات المفتوحة، والتي على رأس أولوياتها صيانة حق المجتمع في المعرفة والوصول للمعلومات؟
بصراحة لم أكن أعرف ما هي مبادرة شراكة الحكومات المفتوحة أو الشفافة وقصتها، وعرفت منه التفاصيل، والتزامات حكومتنا في هذه المبادرة التي أطلقها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما العام 2011، وسعيت بعدها للتواصل مع رئاسة الوزراء للاستفسار عنها ولأسأل من وقعها، ولم أجد أجوبة على استفساراتي، وبعد تمحيص وتدقيق توصلت الى إجابات أن وزارة التخطيط هي من تتابع هذه المبادرة، وأن وزير التخطيط آنذاك هو من وقع باسم الأردن على هذه المبادرة؟!
بدأت بهذه المقدمة لأظهر التغيير الكبير الذي حدث منذ العام 2011 وحتى الآن، فقبل أيام وبرعاية رئيس الوزراء احتفل الأردن بإطلاق الخطة التنفيذية الرابعة لمبادرة شراكة الحكومات الشفافة 2018-2020، والجديد والمهم وما يستحق التقدير تكريس نهج تشاوري فعلي مع المجتمع المدني في آخر عامين من قبل وزارة التخطيط بعد أن كنا نجهل ولم نسمع عن هذه المبادرة إطلاقاً.
وقبل أن أستغرق في الحديث عن الخطة التنفيذية الرابعة لمبادرة الحكومات الشفافة OGP من الضروري التوضيح أن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تعرّف المبادرة بأنها “ثقافة الحكم القائم على سياسات وممارسات مبتكرة مستوحاة من مبادئ الشفافية والمساءلة والمشاركة التي تعزز الديمقراطية والنمو الشامل”.
هذه المبادرة لم ينضم لها من العالم العربي سوى الأردن الذي كان سباقاً، ولحقه تونس والمغرب، وترتكز الى مثلث أضلاعه الشفافية والمساءلة والمشاركة.
القضية ليست الانضمام لمبادرات من أجل تسويق الأردن وتقديمه على أنه دولة تستند في حكمها الى قواعد الحوكمة الرشيدة، فهذا مطلوب ولا ضرر فيه، لكن الأهم أن تقوم الحكومة بإجراءات ملموسة لتعزيز منظومة الشفافية وحق الناس في المعرفة والمشاركة في الحكم، وهو ما يفترض أن تنجزه الخطط التنفيذية التي تتبناها الحكومات طوعاً، وتضع التزامات للقيام بها خلال الفترة المحددة.
الشراكة مع المجتمع المدني في مبادرة الحكومات الشفافة ملزمة وأساسية وليست ترفاً، والأهم ألا تكون شكلية و”برستيج”، ففي السنوات الأولى من عمر مبادرة الشراكة لم تضع وزارة التخطيط قواعد راسخة لذلك، وبعد ذلك تغير المشهد بشكل أفضل، فطلبت من هيئة تنسيق مؤسسات المجتمع المدني “همم” أهم مظلة تجمع أكبر وأكثر مؤسسات المجتمع المدني فعالية ترشيح ممثل لها ليصبح عضواً في اللجنة التوجيهية العليا لمبادرة الحكومات الشفافة، وأكثر من ذلك فإن الخطة الرابعة صُممت ووضعت من خلال اجتماعات منظمة مع المجتمع المدني، وشارك ممثلوه في صياغة الالتزامات والأولويات، وهم الآن يقودون مع الوزارات صاحبة الاختصاص تنفيذ الالتزامات.
الخطة التنفيذية الرابعة التي أطلقتها الحكومة تتضمن التزامات مهمة تساهم في تكريس الأولويات الإصلاحية، فالالتزام الأول عنوانه تعزيز التشاركية والحوار بين القطاع العام ومؤسسات المجتمع المدني، ويسعى هذا الالتزام الى بناء الثقة بين الطرفين، ووضع آليات منضبطة في التعامل الحكومي مع قضايا التمويل، وبذات الوقت تقوية أطر الحوكمة لدى المجتمع المدني.
الالتزام الثاني يركز على تطوير وتعزيز تطبيق سياسة البيانات الحكومية المفتوحة، والثالث تعزيز الحوار الوطني للوصول الى حزمة الإصلاح السياسي وعلى رأس ذلك إدماج المواطنين في عملية صنع القرار وإيجاد صيغة توافقية حول التشريعات.
ويطالب الالتزام الرابع بتوحيد وتطوير آليات استقبال الشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، والالتزام الخامس والأخير فهو يركز على مأسسة إجراءات إنفاذ قانون ضمان حق الحصول على المعلومات.
كل الالتزامات السابقة لو نُفذت حسب الخطة التنفيذية فإنها ستحدث نقلة نوعية، وستكرس سياسات شفافة واضحة في قضايا تتعلق باحتياجاتنا وأولوياتنا، ولا أريد أن أكيل المدح للآليات التي اتُبعت في بناء الخطة لأنني شريك فاعل بها، ولكني أدعو لتطبيق هذه التشاركية في كل سياسات ومبادرات الحكومة لأنها نموذجاً يستحق أن نبني عليه.
المجتمع المدني شريك فاعل يتقدم للعمل والبناء، وهو ليس متخصص في النقد أو الانتقاص من قصص الإنجاز والنجاح، ولهذا فإن الشكر مستحق لوزارة التخطيط ولكل الفريق الذي قاد مبادرة الحكومات الشفافة الى مكانة متميزة إقليمياً ودولياً.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock