أفكار ومواقف

قصة مدرسة اعتزاز

حدث ذلك الأسبوع الماضي، وبينما كان الطالب اعتزاز عباس البالغ من العمر 14 عاما في طريقه للدخول إلى مدرسته في إقليم خيبر الباكستاني، وفيما كان الطلبة يصطفون في الطابور الصباحي ارتفعت صيحات الطلبة بأن ثمة قادما آخر مشتبها به ويخبئ شيئا في ملابسه ويحاول الدخول بين صفوف الطلبة.
كان المهاجم قد اقترب من المدرسة وهو يحمل متفجرات مخبأة تحت زي مدرسي، وحينما سمع اعتزاز صيحات التحذير عاجل الانتحاري بمهاجمته وإبعاده عن صفوف الطلبة ثم باغته بضربة رأس، غير أن الشحنة الناسفة انفجرت وتوفي الطالب متأثرا بجروحه.
استطاع هذا الطالب ان ينقذ حياة 500 طالب هم طلبة مدرسة ابراهيم زاي، وما تزال السلطات الباكستانية حائرة  في الطريقة التي تكرم بها ذكرى هذا الطالب. هذه القصة التي لاقت اهتماما واسعا في وسائل الإعلام العالمية تحمل دلالات كبيرة ومتناقضة تشير إلى المستوى الذي وصل اليه توظيف الإرهاب حتى في استهداف أطفال المدارس. ما يوضح بشكل لا ريب فيه زيف الوظيفة الجهادية التي كانت تستتر خلفها التيارات الأصولية بعد سلسلة طويلة من الصراع بين فقه الواقع والواقع نفسه. ومما لاشك فيه أن سلوك التيارات المتطرفة قد أدخل الحياة العامة في العالمين العربي والإسلامي في أزمة خانقة، وخلط الأوراق والأفكار بشكل تعسفي طوال الأعوام الماضية. الاشارة الثانية التي تحملها قصة اعتزاز عباس تبدو في افتقاد حركات التطرف وخطابها الأصولي لآخر معاقلها في العمق المجتمعي، ما يعني اكتمال حلقة عزلتها وازدياد فرض “الخناق المجتمعي” حولها على الرغم من وجود حساسية عالية لدى رموز تيار الأصولية المتطرفة من فقدان ما تعتقده من الشرعية المجتمعية.
  ثمة فوضى عارمة لا أول ولا آخر لها يختلط فيها الدين بالفقر والظلم والاستبداد والقهر برائحة الكاز والغاز، وفوق كل ذلك مزيج من العواطف والمصالح. هذه الفوضى انتجت كيمياء عجيبة أخرجت خلال العقود الثلاثة الماضية أسوأ ما  في هذه المجتمعات، لكن المفاجأة تظهر في كل مرة على طريقة اعتزاز عباس بأن هناك مساحات واسعة في العمق الاجتماعي لم تصلها هذه اللوثة وتفاجئ العالم بردودها.
علينا ان نراقب مشهدا آخر قريبا في الصراع الممتد حاليا في مدن وبلدات محافظة الأنبار العراقية وفي الطريقة التي يدار فيها الصراع مع التنظيمات المتطرفة، وكيف استطاعت العشائر العراقية السنية تطوير خطابها الذاتي في مقاومة هذه الجماعات المتطرفة مستبعدة تدخل الجيش العراقي الجديد الذي يطغي عليه لون طائفي واحد، ما يدلل على أن العمق المجتمعي للناس ما تزال فيه مساحات للمقاومة الحقيقية.
 ومع هذا تبقى مساحات الفوضى أكبر وأكثر قسوة بين أطفال يموتون دفاعا عن مدارسهم وبين مدارس تتحول إلى معسكرات للعنف وللتطرف وإنتاج الإرهاب وتصديره.

[email protected]

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. معرفة من يثير الفتن ومحاربته يجب أن يسبق نتائج الفتن؟؟
    فلنبحث عن الجواسيس والعملاء المزروعين في كل ديار العرب والمسلمين. وهل أحد ينكر أن (روسيا وامريكا واوروبا واليهود ومحافلهم الماسوينة) هم من يزرع هؤلاء الجواسيس والعملاء؟ ومن ينشر التحريض والفتنة وغسل أدمغة الشباب ليسلكوا طرق العنف سوى هؤلاء الجواسيس والعملاء؟ فهل يلام طالب مدرسة مراهق على حمل متفجرات قاتلة؟ أم أن الأولى البحث عن المحرضين من الجواسيس والعملاء والقضاء عليهم أولا بأول لتنظيف مجتمعات العرب والمسلمين من شرورهم وخططهم الخبيثة؟ أليست هذه هي الحقائق المرة؟ لماذا نلقي الاتهامات على أبناء الشعوب العربية والاسلامية بأنهم مجبولون على العنف، وننسى من دفع هؤلاء الرجال على سلوك طريق العنف؟ وبذلك فإن معرفة من يثير الفتن ومحاربته يجب أن يسبق معالجة نتائجها.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock