أفكار ومواقف

قصتي الواقعية مع السيدة “ل.ك”

تتردد عبارة “لا يعبر عن واقعنا” كثيرا على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى شكل موجة ضخمة من يتابعها – من بعيد- يعتقد فعلا أن المجتمع الأردني – المتعدد بطبيعته- خال من دسم الفساد الاجتماعي.

على خلفية فيلم “الحارة” الذي أطلقته منصة نت فليكس مؤخرا، ثار الغضب على الفيلم الذي أراه محترما بالمعنى الحقيقي للكلمة، فهو يسلط كمية كافية من الإضاءة على ما نحاول أن نبقيه في العتمة لكن الواقع “ساطع” بهذه النماذج الموجودة فعلا.

لم تعد حيلة الترجمة اللغوية لمعامل أنيس عبيد في القاهرة ذات معنى حين كنا نقرأ أسفل الشاشة كلمة “تبا لك” للتغطية على شتيمة باللغة الإنجليزية لها مرادفاتها العربية بذات المعنى الفاضح والسوقي “وباللهجات المحلية” في كل شارع وبيت وفي كل “حارة”، الكل صار يعرف أن “تبا لك” ليست كذلك، وأن “عصير العنب” الذي يتحدثون عنه في المشهد هو نبيذ والجعة هي الجعة بلغة فصحى نتوهم بسذاجة أنها ساترة درءا للرجس الذي هو من عمل الشيطان الكامن في التفاصيل.

ثم من قال إن السينما والدراما والفنون يجب ان تكون ضمن إطار نصوص الإذاعة المدرسية وخاضعة لتوجيهات المدير التربوي الفاضل؟

حكاية “لا يعبر عن واقعنا” هي التي لا تعبر عن واقعنا بكل تفاصيله اليومية التي نعيشها ونراها ونسمعها بكل حواسنا الخمس.

فلنتحدث هنا عن تجربة عشتها شخصيا.

نهاية عقد التسعينيات من القرن الماضي ولأسباب “قمع صحفي رسمي” كنت ممن تعطلوا عن المهنة فتوظفت – بالواسطة طبعا- “لفترة مؤقتة” في دائرة الأحوال المدنية والجوازات في مدينة الزرقاء، كانت وظيفتي على “الكاونتر” في مواجهة مع الجمهور تحت مسمى “خدمة هذا الجمهور”.

في ظهيرة أحد الأيام المزدحمة بهذا الجمهور الذي نخدمه، شقت الطابور المكتظ إحدى بلطجيات الحارات بالزرقاء، وهي شخصية معروفة ومرعبة للزرقاويين على مستوى المدينة، وسبب شهرتها أنها امرأة وليست رجلا، لكنها كانت معروفة بمهارتها باستخدام “الموس والشفرة” وقوة قلبها وطبعا بإسناد من كميات هائلة من الحبوب المخدرة ودعم من عصابة بلطجية خلفها لا تقل قسوة.

وشاء حظي العاثر يومها أن أكون أنا في مواجهة مباشرة خلف زجاج الكاونتر مع السيدة “ل.ك”، وقد أزاحت بالرعب كومة من البشر الواقفين في الطابور أمامي، وطلبت مني أن أختم بالقبول ورقة معاملة رسمية لها.

حين حاولت الاحتجاج – لا بطولة مني بل حفاظا على ما يمكن أن يتبقى من كرامة – رفعت السيدة “ل.ك” الموس في وجهي وقد أدخلته عبر فتحة الزجاج الفاصل بيني وبين الجمهور الذي نخدمه، وارتأت السيدة “ل.ك” أن تستخدم ألفاظا نابية معي ومع من حولها تعجز معامل أنيس عبيد نفسها عن ترجمتها، وجاءني الزملاء تباعا وبسرعة وبرفقة رجل الأمن المكلف بالحماية في المبنى ليقنعوني بتلبية طلبها “وبلاش مشاكل”. وطبعا قمت بتلبية الطلب فورا وناولت السيدة “ل.ك” الورقة واختفت هي لمتابعتها في نوافذ “خدمة جمهور” مجاورة، ولا أستطيع التأكيد إن كانت المعاملة الرسمية التي تحملها قانونية كما لا أستطيع التأكيد إن تم إنجازها أصلا بعد ذلك.

السيدة “ل.ك” انتقلت إلى رحمة الله تعالى في حادث طعن غادر “وغير مؤسف” بعد سنوات كما وصلني الخبر، ويبدو أنه كان نتيجة خلاف زملاء مهنة البلطجة، والأسماء في عالم الزرقاء والمدن والحارات الأردنية كثيرة ومعروفة ومتجددة الوجوه ( وهي وجوه تحمل علامات فارقة دوما).

باختصار..
فيلم الحارة، سلط إضاءة واقعية على واقع حقيقي، بكل ما فيه، وهي إضاءة لبقعة من هذا الواقع “الواقع” في مجتمعنا، وفئة البلطجية مع التطور تحولوا إلى أدوات بيد “ذوي نفوذ ومواقع” وهذا واقع آخر يمكن لما ان نتحدث عنه بإسهاب لو شئتم.

المقال السابق للكاتب :

نافذة على عقل الآخر

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock