أفكار ومواقف

قصر العبد

قيض لي الاسبوع الماضي زيارة قصر العبد الواقع في منطقة عراق الامير على اطراف العاصمة عمان، وكان واضحا اثناء المسير ان الطريق ممتعة، فاللون الأخضر سيد الموقف، واينما التفتنا تكسو الخضرة قمم الجبال وسفوحها، حتى كان يخال لنا ونحن في الطريق الصعب حينا بحكم تعرجه والمريح حينا، يخال لنا ان رائحة اللون الأخضر سيدة المكان، فكأننا كنّا نتنفس ربيعا اقترب، ورائحة غابت عنا ونحن محاصرون في عمان بعلب إسمنتية سرقت منا تذوق حلاوة الطبيعة والاستمتاع بزقزقة عصافير الوديان.
وبحكم المنطق فإن سرعة المركبة كانت في حدها الأدنى، وهذا سمح لنا رؤية وجوه اهل المنطقة، فما أن تقع عيناك على احدهم حتى يبتسم وتلمس علامات الفرح في حدقات عينيه، فأولئك لا يعرفون التملق، فتعبيرهم صادق وإحساسهم حقيقي، وكلامهم من القلب للقلب، ولم نستغرب ونحن نصل المكان ان يقوم من يجلس امام بيته بالإمساك بك للجلوس، وشرب الشاي او القهوة وتناول الغذاء، فقد حصلنا ونحن نسير راجلين على اكثر من دعوة من اشخاص لا نعرفهم وإنما عرفوا بحكم فريستهم الفطرية بأننا لسنا من ابناء المنطقة، وان هدفنا زيارة المعلم الأثري الموجود على ارض قريتهم، فكانوا بالفعل تعبيرا جميلا وصادقا وواضحا لابتسامة اهل المنطقة وترحيبهم بزوار المكان.
وقصر العبد هو قصر أثري يقع على بعد نصف كيلو متر جنوب قرية عراق الامير التي تبعد 35 كم غرب العاصمة عمان، ويعود تاريخ المكان إلى العصر الهيلنستي في القرن الثاني قبل الميلاد (أي بين عامي 187 و 175)، وبناه هركانوس، وعاش هركانوس في عهد الملك سلقوس الرابع، ومنطقة عراق الامير والتي تعني الكهوف، عبارة عن قرية عادية حالها حال سواد قرى الأردن الممتدة من أقصى الشمال الى الجنوب، وللمكان – اي قصر العبد- حضور واضح لاسيما وان الكهوف تكون واضحة للرائي من بداية قرية عراق الامير وصولا الى القصر.
ونحن ندلف المكان رأينا على مقربة من الباب المفتوح لوحة تعريفية كتب عليها جزء يسير عن سيرة المكان الأثري، بيد ان المحزن كان عدم وجود اي موظف من وزارة السياحة او اي جهة اخرى يدلنا على الأثر ودلالاته، او حتى يقوم بحراسة المكان، وحتى لا أبدو متجنيا على احد فيخرج لي لاحقا من يقول انه يوجد حارس مخصص، يكفي ان أقول ان وقت زيارتنا لم نلتق بأي موظف رسمي هناك، حتى ونحن نتجول في الطابق الثاني من القصر عاينا اللوحة التعريفية على الارض، وهذا ان دل على شيء إنما يدل على عدم اهتمام الجهات المعنية، والملفت انه وأثناء تواجدنا لاحظنا تردد اكثر من عائلة من خارج المنطقة لزيارة القصر والتجول فيه، بمعنى ان المكان يزار ويتردد عليه باحثون عن المعرفة والآثار.
مؤسف أن نرى حال آثار بهذا العمق التاريخي الممتد عبر قرون دون اهتمام رسمي بها، ودون رعاية واضحة من اصحاب الشأن، فالرعاية والاهتمام ليست من خلال وضع لوحات تعريفية او تشييك بعض الأجزاء وكفى، وإنما عبر استنباط ادوات جديدة للتسويق والترويج واشخاص يعرفون تاريخ المنطقة ولديهم القدرة للإجابة عن أسئلة الزوار.
لسنا بصدد جلد الذات، وإنما واجبنا ونحن نقرأ ونسمع عن الدخل السنوي لبعض الدول الذي يأتي من السياحة ان نسأل المعنيين عن سبب القصور في متابعة مناطقنا الاثرية، وهل سيكون الحل الدائم لدينا هو دفن الآثار ان وجدت؟.
كان يمكن استثمار جمالية المكان الطبيعية ووجود الأثر التاريخي لجلب سياحة داخلية وخارجية وجذبها للمكان والتمتع بالمناظر الخلابة، ومن ثم تسويق المكان بشكل افضل واكثر رقيا من الشكل الذي رأيناه في (قصر العبد) الذي ظهر لنا وكأنه مهجور، ترى ألم يحن الوقت لابتداع أفكار سياحية جديدة واستثمار كل منطقة اثرية في اردننا الذي يطفو على آثار قل مثيلها، والى متى سيبقى عدم الاكتراث سيد الموقف؟!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock