ترجمات

قصّة ناجيَين: نتنياهو وعباس يحاولان التشبث بالسلطة، مهما تكُن التكلفة

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 1/5/2021
دبي والقدس- حكم بنيامين نتنياهو ومحمود عباس لفترة طويلة جداً بحيث أصبح من الصعب تخيل أشخاص آخرين يخدمون في مكانيهما. ومع ذلك، لا يبدو أي منهما آمنًا كثيراً في الوقت الحالي. فقد كافح السيد نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل منذ العام 2009، من أجل تشكيل حكومة جديدة، بينما تبدو المعارضة أقرب إلى إبرام صفقة سيكون من شأنها أن تطيح به. والسيد عباس؛ الرئيس الفلسطيني منذ العام 2005، يصبح أقل شعبية باطراد. ولو أنه أجرى انتخابات حرة ونزيهة كما وعد بأن يفعل هذا العام، فمن المحتمل أن يخسر. فهل يمكن أن يخرج الرجلان من منصبيهما في القريب؟
لا يبدو أن أياً منهما راغب في الاستسلام. خُذوا السيد نتنياهو، الذي فاز حزبه، الليكود، بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات 23 آذار (مارس)، لكن ائتلافه اليميني يفتقر إلى الأغلبية اللازمة في الكنيست، (البرلمان الإسرائيلي). وقد حاول، على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية إقناع الأحزاب الأخرى بدعم كتلته، لكنه فشل -حتى أنه تواصل (عبر وسطاء) مع حزب “راعم” العربي الإسلامي. ومع ذلك، كان هدفه الرئيسي هو نفتالي بينيت، زعيم “يمينا”، وهو حزب قومي يشبه الليكود. ويقول بينيت، الذي كان في يوم من الأيام رئيس موظفي نتنياهو: “الباب مفتوح الآن أمام قدوم حكومة يمينية”.
لكن السيد بينيت شرع أيضاً في التفاوض مع الأحزاب المعارضة لنتنياهو. وهم جميعاً يفتقرون إلى الأغلبية أيضاً -ولديهم القليل من القواسم المشتركة باستثناء ازدرائهم لرئيس الوزراء. ومن أجل تشكيل حكومة، سيحتاجون إلى دعم حزب عربي-إسرائيلي واحد على الأقل. ولا يحب السيد بينيت ذلك. ويحاول استمالته الآن يائير لابيد، زعيم حزب “يش عتيد” الوسطي، ومهندس التحالف المناهض لنتنياهو. والسيد لبيد، الذي يشغل حزبه مقاعد أكثر بكثير من “يمينا”، مستعد للسماح لبينيت بأن يخدُم أولاً كرئيس للوزراء في حال تمكنا من تشكيل حكومة.
الآن، وقد أصبحت قيادته على المحك، يبدو أن السيد نتنياهو يُخفق. وقد دعا إلى إجراء انتخابات مباشرة لمنصب رئيس الوزراء، في حين يهاجم أنصاره بينيت. وفي 27 نيسان (أبريل)، حاول السيد نتنياهو تعيين عضو من حزب الليكود وزيراً للعدل، وهي خطوة اعتبرها المدعي العام غير قانونية لأنها تنتهك الاتفاقية التي تشكلت على أساسها الحكومة الحالية. وبعد أن علقت المحكمة العليا الإسرائيلية ذلك التعيين، تراجع نتنياهو وأعطى المنصب لبيني غانتس.
وكزعيم لحزب الوسط “أزرق أبيض”، وافق غانتس على التعاون مع نتنياهو بعد الانتخابات الأخيرة التي أُجريت في العام 2020. وقد منح اتفاقهما حزب “أزرق أبيض” السيطرة على وزارة العدل. كما أنه كان سيجعل السيد غانتس رئيسًا للوزراء في وقت لاحق من ذلك العام إذا لم يتم تشكيل حكومة جديدة ولم يتم إجراء انتخابات جديدة. ويريد السيد غانتس الآن التخلص من السيد نتنياهو بطريقة أو بأخرى.
كان لدى نتنياهو سببان كبيران للسعي للسيطرة على وزارة العدل. أولاً، يواجه رئيس الوزراء المحاكمة الآن بتهم بالفساد، وهي تهم يرغب في التخلص منها. ثانيًا، من خلال إثارة مواجهة، تمكن نتنياهو من تجديد انتقاده للمحكمة العليا الإسرائيلية. وهو يقول إنها تتصرف مثل “حكومة عظمى” غير منتخبة. وربما كان يعتقد أن هذا سيجعل من الأكثر صعوبة على السيد بينيت، أحد منتقدي المحكمة، أن يعمل مع الأطراف والأحزاب التي تدعمها. ولكن، يبدو أن هذه الخطوة أعطت حافزاً لأولئك الذين يحاولون الإطاحة برئيس الوزراء. وقال السيد بينيت: “لقد وصلت إسرائيل إلى حافة الفوضى. وهي تحتاج الآن إلى حكومة فاعلة ومستقرة”، ولو أنه يخصص السيد نتنياهو في حديثه.
أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن الاستقرار ليس مشكلة: فقد أجروا انتخابات في العقود الثلاثة الماضية كلها أقل من التي أجرتها إسرائيل في العامين الماضيين فحسب. وتم انتخاب السيد عباس لولاية مدتها أربعة أعوام في العام 2005، لكنه منذ ذلك الحين غالط كل الحسابات والرياضيات. وكانت انتخابات برلمانية قد شهدت في العام 2006 فوز “حماس”؛ الجماعة الإسلامية المتشددة، بأغلبية المقاعد. وبعد ذلك سيطرت “حماس” على غزة وما تزال مغتربة عن “فتح”، الحزب القومي الذي يحكم الضفة الغربية ويتزعمه عباس. ولم يتم إجراء أي انتخابات منذ ذلك الحين.
وكان من المفترض أن ينتهي هذا الجفاف الديمقراطي الطويل في 22 أيار (مايو)، عندما يختار الفلسطينيون أخيرًا مجلسًا تشريعيًا جديدًا، ثم تعقُب ذلك انتخابات رئاسية في تموز (يوليو). ومع ذلك، وفي ما لا يشكل مفاجأة لأحد، يبدو أن تلك الانتخابات قد تأجلت. في 29 نيسان (أبريل) قام السيد عباس بإلغاء الانتخابات البرلمانية.
وألقى عباس باللوم في التأجيل على إسرائيل. ذلك أن اتفاقيات أوسلو تلزمها بالسماح للفلسطينيين بالتصويت في مكاتب البريد في القدس الشرقية، الجزء العربي من المدينة الذي احتلته إسرائيل في العام 1967. وقبل أقل من شهر من التصويت، لم تؤكد إسرائيل أنها ستسمح بذلك. وقامت الشرطة الإسرائيلية في 17 نيسان (أبريل) باعتقال ثلاثة مرشحين فلسطينيين حاولوا عقد مؤتمر صحفي في القدس الشرقية. كما تتصاعد التوترات بين سكان المدينة اليهود والفلسطينيين. وقد اشتبكت الشرطة الإسرائيلية مع متظاهرين فلسطينيين شباب في 22 نيسان (أبريل) بعد مسيرة نظمتها مجموعات يهودية يمينية متطرفة متحالفة مع نتنياهو.
يعلن السيد عباس القدس “خطاً أحمر”: إذا لم يكن بالإمكان إجراء الانتخابات في المدينة، فلن تكون هناك أي انتخابات على الإطلاق. وإذا كانت هذه شكوى مشروعة، فإنها أيضًا ذريعة مناسبة. وقد قُدمت مقترحات لإجراء انتخابات في القدس من دون مساعدة إسرائيل، لكن السيد عباس لا يرغب في سماعها. وهو يبدو ممتناً لوجود عذر يتيح إلغاء اقتراع قد يخسره.
ذات مرة، قال الرئيس الفلسطيني إنه سيطلق النار على أي شخص من “فتح” ينفصل عن الحركة لينضم إلى حزب جديد. وسوف يحتاج إلى الكثير من الذخيرة في الحقيقة. فقد ظهر فصيلان منشقان في الفترة التي سبقت الانتخابات، أحدهما، “حزب الحرية”، بقيادة ناصر القدوة، ابن شقيق الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وقد ضم القدوة القوى مع مروان البرغوثي، الزعيم المخضرم من “فتح” الذي يقضي خمسة أحكام بالسجن مدى الحياة في سجن إسرائيلي. وتتبع الجماعة المنشقة الأخرى، “حزب المستقبل”، محمد دحلان، رئيس الأمن الفلسطيني السابق الذي يعيش الآن في المنفى في أبو ظبي.
أظهر استطلاع أجراه في آذار (مارس) أكبر مركز لاستطلاعات الرأي في فلسطين أن حركة “فتح” التي يقودها السيد عباس لن تفوز بأكثر من 32 في المائة من أصوات البرلمان في الانتخابات المقبلة. ويمكن أن يطغى عليها كلا الحزبين المنشقين و”حماس”. وتبدو الأرقام قاتمة بالقدر نفسه بالنسبة لعباس في اقتراع رئاسي: سوف يخسر بأغلبية ساحقة ضد البرغوثي إذا تسابق الأخير من السجن، وستكون المسألة مسألة حظ ضد إسماعيل هنية، زعيم “حماس”.
من جهتها، لا ترغب إسرائيل في فوز “حماس” في انتخابات أخرى (خاض الطرفان ثلاثة حروب صغيرة منذ العام 2009). وتتوافق مصالحها مع مصالح السيد عباس الذي يرى في الجماعة تهديدًا لقبضته على السلطة. وحتى لو تم إلغاء الانتخابات، فإن هذه القبضة تظل تضعف. ويبلغ عباس من العمر 85 عامًا، وقد سافر مؤخرًا إلى ألمانيا لإجراء فحوصات طبية غير محددة. وكشفت الفترة التي سبقت الانتخابات عن وجود انقسامات داخل حزبه الحاكم نفسه. وسيكون من شأن إلغاء الانتخابات أن يضفي الصلاحية على نقد أسلوبه الاستبدادي المهتم بالمصلحة الذاتية. وقد أصبح هو والسيد نتنياهو يبدوان من الثوابت السياسية الدائمة في الأرض المقدسة. لكن تحركاتهما اليائسة في الساعة الحادية عشرة هي تذكير بأنهما ليسا كذلك.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Tale of two survivors: Binyamin Netanyahu and Mahmoud Abbas try to hold on to power, no matter the cost
ملاحظة المحرر: تم تحديث معلومات هذا التقرير بعد إعلان إلغاء الانتخابات البرلمانية الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock