العرب والعالمحياتنامنوعات

قضية أحمد بسام زكي: “أريده أن يصبح عبرة للجميع لأن الرجال عندنا لا يخافون”

بدت بعض المصريات كأنهن غير مصدّقات لما يجري هذه الأيام في بلدهن: شابة (مجهولة) تتجرأ وتتقدّم ببلاغ ضد شاب تحرّش بها قبل سنوات؛ الشاب يُسجن على ذمة التحقيق وتُوجه له تهم اغتصاب وإساءات جنسية بحق فتيات ..

النيابة العامة تشجّع على تقديم بلاغات وعدم الاكتفاء بالكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ والأزهر يأخذ موقفا واضحا يرفض فيه الحجة المعتادة التي تربط جريمة التحرش بثياب المرأة.

وبعدها بأسبوع، تقر الحكومة مشروع قانون لضمان سرية بيانات المجني عليهم في حالات التحرش.

ضجة كبيرة في مصر بسبب هذه القضية.

حدث كل ذلك بعد أن أُنشِئَت صفحة على موقع إنستغرام يوم الثاني من يوليو/تموز، اسمها “بلّغ عن أحمد بسام زكي @assaultpolice”، تحوي عشرات الشهادات ضد شاب عشريني، من قبل أشخاص ناجيين لم يعلنوا عن أسمائهم، أكدوا أنهم كانوا قد تعرضوا لأنواع مختلفة من الاعتداءات الجنسية من قبله أثناء فترة دراسته.

ليس الحديث عن قضايا التحرش أو الاغتصاب جديدا على المجتمع المصري، لكن يبدو أن التعامل مع هذه القضية مختلف هذه المرة، وهناك تفاؤل بإمكانية إحداث تغيير.

لهجة المصريات على تويتر وفيسبوك وإنستغرام بدت أكثر جرأة؛ فبعد سجن المتهم بدأت كثيرات بنشر صور رسائل مسيئة وصلتهن منه ومن غيره من الشباب، وكنّ قد أخفينها طويلا.

وامتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بتعليقات مشجعة للفتيات وللشبان، للتبليغ عن كل المسيئين وفضحهم. حتى أن كثيرين بدأوا باستخدام هاشتاغ “بداية ثورة نسويّة”.

تقول إسراء فهيد، وهي مدرّبة أمان رقمي ومدافعة عن حقوق الإنسان، إن ظهور هذه القصة التي دُفنت لسنوات تسببت في “رعب” في المجتمع.

“عدد من يُقال إنهم تعرضوا للتحرش من طرفه كبير جدا، والشهادات التي تكتب عنه تسببت بصدمة كبيرة في المجتمع. شهادات مفزعة.. قرأتُ عن عنف وتهديد لهؤلاء الأشخاص من قبله وتصويرهم لكسر عينهم ولابتزازهم”.

وتضيف إسراء: “هدفنا أن يصبح أحمد بسام زكي عبرة للجميع. نريد أن يُحاكم رغم ما يُقال عن نفوذ وسلطة أهله.. هدفنا أن يحاكم، لأن الرجال عندنا لا يخافون لا من عقوبة ولا من قانون ولا من مجتمع، بل المجتمع يحميهم”.

“خطوة واسعة” للأمام

ليس من الصعب تذكّر حوادث إساءات جنسية بحق فتيات تحولت إلى قضايا رأي عام في مصر، لكنها طُويت بعد فترة قصيرة من تداولها.

فخلال العام الماضي، وصل للإعلام كثير من هذه الحوادث، منها: منة عبدالعزيز التي ظهرت في مقطع فيديو على تطبيق تيك توك تتهم فيه شابا بالاعتداء عليها واغتصابها فاعتقلتها السلطات هي والشاب؛ إضافة إلى واقعة التحرّش الجماعي بفتاة في ليل رأس السنة في مدينة المنصورة؛ وقتل أحد الشباب لمحمود البنا الذي دافع عن فتاة تعرضت للتحرش؛ ونشر عارضة أزياء مصرية صوراً على انستغرام لرسائل غير لائقة تقول إنها تلقتها من لاعب المنتخب الوطني لكرة القدم، عمرو وردة.

لم يتغيّر شيء رغم كل الضجيج الذي رافق تلك الحوادث.

تعتقد رسامة الكاريكاتير، دعاء العدل، أن الأمر مختلف هذه المرة “لأن مؤسسات عدّة وقفت إلى جانب المجتمع الغاضب”.

طوال سنوات رسمت دعاء ما تراه من انتهاكات لحقوق المرأة في مجتمعها، وتوضّح أنه قبل نحو عشر سنوات كان هناك إنكار حتى لوجود التحرش في المجتمع، وبعد فترة بدأ الوضع يتغير بفضل حديث بعض الشابات عن هذا الموضوع وتغطية الإعلام له، ثم صدر قانون يعتبر المتحرش مجرما، وغلّظت عقوبة التحرش.

لكنها تقول إن “ثقافة الأهل لم تتغير، إذ ظلوا يفضلون إبعاد الفتاة التي تتعرض لأي اعتداء؛ فتنزوي الفتاة حتى تُنسى القصة”.

أما ما لفت نظر هالة، والتي تكتب باسم مستعار ولديها آلاف المتابعين على تويتر، فلم يكن رد فعل مؤسسات الدولة، بل جهود المصريين في مواجهة التحرش والتي لم تعد فردية، كما تقول.

“بقينا نضم على بعض.. الصوت بقى أعلى وأكثر تنظيما.. بشكل عفوي، بلا انتماءات لجهة ما أو شخص ما”.

كما تعتقد هالة أن انضمام فئات “كانت ساكتة” إلى هذا الحراك ضد التحرش يعدّ تطورا كبيرا. وبهذه الفئات تقصد الفتيات اللاتي لم يعدن يخشين فضح المتحرشين، إلى جانب بعض فئات الرجال، إذ لفتها أن شبانا مصريين “تشجعوا” هذه المرة، ليس لمجرد المواساة العلنية للفتيات، بل ليقولوا رأيهم دون أن يهتموا لما يقال عنهم.

“شجاعة بعض الأولاد في الكشف عن حوادث التحرش بهم حاجة جديدة مكنتش موجودة قبل كدا. وإظهار التقزز والاحتقار لما يحدث والمسكوت عنه”.

وتعتقد أن ردة فعل المجتمع هذه تسببت “بإحراج للسلطة” التي “اضطرت إلى عدم تبني الخطاب الجاهلي المنتشر”، كما تقول هالة.

امرأة تصرح بوجه شيخ، من ما يسمى "شيوخ السوشال ميديا"، وتقول: أنا إنسان

“إرهاب فكري”

مقابل هذه الجهود الجماعية للحديث عن التحرش علنا، ظهرت جهود جماعية موازية على الإنترنت، تسميها الشابات اللاتي تحدثت معهن “بالإرهاب الفكري” أي محاولة قمع كل من يتبنى الخط الرافض لأي تبرير للمتحرش.

قليلون من عبروا عن تعاطفهم مع أحمد بسام زكي، لكن بالوقت ذاته أصر كثيرون على التأكيد على دور المرأة، وتحديدا خيارها في الثياب، في جريمة التحرش التي تتعرض لها.

جزء من هذا الخطاب سببه ما تسميه الرسّامة دعاء “شيوخ الترند والسوشال الميديا”، وتذكر مثالا على ذلك ما تعرضت له عندما ردت على تعليق كتبه عبدالله رشدي، الذي حظي بشعبية كبيرة مؤخرا بين فئات من الشباب، رافضة تشبيهه المرأة بالسيارة أو الحلوى وغير ذلك.

تقول دعاء: “لن تتخيلي الشراسة التي يتعرض لها من يعارض مثل هذا التشييء للمرأة. ولن تتخيلي العنف اللفظي الذي تعرضت له”.

وليس “شيوخ السوشال ميديا” وأتباعهم فقط من يحاربون الأصوات العالية المطالبة بوقف التحرش، بل كثير من الرجال العاديين “في محاولة لحماية أنفسهم.. خايفين يجي الدور عليهم”، كما تقول إسراء، مدرية الأمان الرقمي.

أما هالة فتعتبر أن كل هذه “المكابرة” والهجوم على من ضاقوا ذرعا من التحرش المستشري سببه “الهلع من إمكانية أن الطرف الداعم للحرية بدأ يكسب أرض جديدة”.

وتوضّح فكرتها: “محروقين جدا من الموضوع .. زي لما اتوفت سارة حجازي واكتشفوا إن فيه فئة مش بسيطة بتتمنالها الرحمة.. مش في سرها. لأ.. بتقولها علنا وكمان بترد ع الي بيقولوا متترحموش.. عشان كدا فيه هجوم وتكتل”.

ورغم كل شيء هي سعيدة بهذا الحراك الحاصل. “من عشر سنين كنت أتعرض لتحرش في المواصلات وأسكت وأنقهر وحدي. الآن ممكن أصرخ وأهزأ الحيوان المتحرش.. صار عندي شجاعة في المواجهة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock