أفكار ومواقف

قضية نبال.. نظرة مختلفة

بعد تمحيصٍ، أجمع الفرقاء أن جريمة قتل الطفلة البريئة نبال تخرج عن عاداتنا وتقاليدنا، وبهذا انتهى الدرس، حيث سنزج بالمجرم في مركز إصلاح وتأهيل لا يصلح ولا يؤهل بل قد يكون طريقاً لزيادة الانحراف، وبعدها سننام مرتاحي الضمير، فلسنا فقط من الجموع التي لا تخالف – في نطاق الإجرام- عاداتنا وتقاليدنا، بل لقد شاركنا في حملة فيسبوكية للبحث عن الطفلة ووضعنا “وسماً” تداوله مئات الأشخاص لعناً بالقاتل وتَبَرأً منه .
لا أحاول التقليل من شأن وقفة الناس واستنكارهم لهذا الجريمة الدنيئة، ولكني أذكر ان الإحصاءات تشير الى وقوع اعتداءين على الأطفال يومياً في الأردن، علما أن أغلب هذه الاعتداءات لا يتم التبليغ عنها. المجتمع الأردني ليس في طور التغير كما يقول البعض، المجتمع الأردني تغير فعلاً، ولم يعد مجتمع “المدينة القرية”، وتجد الآن أنماطاً اجتماعية واقتصادية مختلفة حتى في العائلة الواحدة، كما لم يعد مجتمعاً متجانساً كما كان سابقاً فأنت تجد الآن الصانع أو المؤذن أو سائق باص مدرسة في قرية في الشمال أو الجنوب من جنسية عربية أو اجنبية، ولهذا من غير الواقعي تحليل أحداث المجتمع بنفس آليات وذهن مجتمع الستينيات والسبعينيات.
الأردن اليوم بلد مئوي العمر تقريبا، وسكانه حوالي أحد عشر مليون شخص عدا من يمرون به وهو في خضم ثورة المعلومات والاتصالات، ولهذا من غير المقبول كلما حصلت جريمة او أي ظاهرة ان يتم فهمها ومحاكمتها سنداً “للأردن” السابق في اذهاننا، حيث نبدأ عندها بعزف الأسطوانة المشهورة؛ “البلد خربت، البلد وين رايحة”، وكأننا نقول أعيدوا “الأردن الماضي” قليل السكان حتى نمنع ما يحصل لنا الآن، ولا يختلف اثنان على أن هذا تفكير غير عملي ولا منطقي.
الجريمة ظاهرة “بشرية “عابرة للشعوب والأديان والطبقات، وهي ظاهرة من صنع الإنسان ومن طباعه، فالاعتداء على الأطفال مثلاً يحصل في الشرق والغرب، على الفقراء وعلى الأغنياء عند المتدينين وعند غير المتدينين، وهو ناتج عن عوامل وبواعث متعددة تبدأ من عوار عقلي أو نفسي ولا تنتهي بعوامل الفقر ومستوى التعليم.
السؤال الآن: كيف نواجه حوادث الاعتداء على الأطفال في ظل واقعنا الحالي بكل مفرداته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتغيرات التي نعيشها بكل تعقيداتها؟ وفي محاولة للتصدي لهذا الموضوع سأتوقف عند محطات هي مقدمات حوار اكثر منها حلول او مقترحات:
إن حجم العنف الذي يتعرض له أطفالنا وشبابنا في برامج الكرتون والألعاب الإلكترونية غير مسبوق وغير مقبول، الموت في هذا الألعاب مسألة سهلة بلا دماء، وتستطيع أن تعيد القتل فيها فقط بكبسة زر “restart “، فيعود الموتى وتشرع بقتلهم من جديد. تذكروا أن قاتل المسجد في نيوزلندا كان يقلد لعبة إلكترونية شهيرة، ما عدا أن الضحايا هذه المرة كانوا أشخاصاً حقيقيين بدماء حقيقية، هذه الألعاب تسهل العنف والقتل وتساعد قطعاً على الانعزال عن التعاطي مع البشر، وما يصاحب ذلك من غربة عن المشاعر الإنسانية التي تحول عادة دون العنف والاعتداء على الآخرين.
مرحلة المراهقة حالة إنسانية طبيعية، وهي ليست فقط تطوراً للمشاعر الجنسية، ولكنها أيضاً تطور لملامح شخصية الفرد، هذه الفترة العمرية لا ينفع معها المنع، “منع الاختلاط ومنع الإنترنت ومنع الهواتف و…”، هذه المرحلة تحتاج الى تواصل الأهل والمجتمع مع المراهقين، كما تحتاج الى انغماسهم في نشاطات رياضية واجتماعية وثقافية وبرامج توعوية، وهنا تأتي مسؤولية البلديات والدولة عموما لتوفير مساحات آمنة لهذه النشاطات، فالمنع والحصار لن يجلب الا نتائج عكسية، وكل ممنوع مرغوب.
التعامل مع المعتدين على الأطفال من المجرمين يجب ان يختلف بشكل كلي، وأول ذلك ألا نكتفى بالعقاب التقليدي، بل أيضا بتوفير التقويم والعلاج النفسي والصحي، والا يُطلق سراح المعتدي على الأطفال – وخاصة البالغين منهم – دون ان يوضع اسمه على موقع علني، حتى يمنع تشغيله مع الأطفال وذلك إلى أن يثبت علاجه من هذا الطبع أو المرض. وهذا غيضٌ من فيض …
هل تكون الضحية نبال أول محطة لتعامل جدي مؤسسي بالتعاون بين الدولة والأسرة والمجتمع المدني لحصار حوادث الاعتداء على الأطفال، نرجو ذلك جنابك. !

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock