أفكار ومواقف

قضية وطنية مصيرية

ماذا يريد عرابو صفقة القرن من الأردن؟ أو لنقل ما هي مواطن التهديد التي يخشى منها الأردن في تلك الصفقة؟ واضحٌ في هذا السياق أن الأردن الرسمي ليس طرفاً في التحضيرات والمشاورات التي أجريت وتجري لإتمامها، وقد صرح “وزير خارجيتنا” قائلاً: الأردن لم يطلع على تلك الصفقة، كما أن التسريبات الصحفية الأميركية تؤكد أيضاً أن أميركا لم تشارك الأردن خلال الزيارات الملكية الأخيرة، بأي معلومات عن الصفقة وأبعادها، كما أكدت تلك التسريبات أن عدد الأشخاص المطلعين عليها في أميركا ذاتها لا يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة.
ولكن يمكن الوقوف على بعض المخاوف الأساسية التي يحاول الأردن مجابهتها من خلال استقراء تحركه المستمر على الصعيدين المحلي والدولي، وأول تلك المخاوف في تصوري هي مخاوف وجودية -إن صح التعبير-، فالأردن وعلى رأسه جلالة الملك يريد أن يذكر الإدارة الأميركية والإسرائيلية أن الأردن رقمٌ صعب، ولن يقبل أن تكون مساعدات أميركا ومن تبعهم من العرب طريقاً لموافقته على حلول للقضية الفلسطينية على حساب الأردن هويةً وشعباً وأرضاً، وقد أكد جلالة الملك في هذا السياق على موقف الأردن الواضح في “كلا” ملكية حازمة للوطن البديل وللتوطين وهذه الــ”كلا” كانت رسالة واضحة للخارج وبعض الداخل الذي يتقن الصيد في الماء العكر. وعلى الرغم من قناعات الأردن الرسمي أن حل الدولتين هو أول ضحايا صفقة القرن إلا أنه ولأسباب استراتيجية يسعى لتجييش أوروبا ومن وصل إليهم من العرب وخاصة مصر للإصرار على تبني حل الدولتين.
أما الوصاية الهاشمية على القدس فبالإضافة إلى رمزيتها الدينية والمعنوية للأردنيين والهاشميين معاً، فإن التمسك بها هو خط الدفاع المتقدم للحيلولة قدر الإمكان دون توالي الضغط على الأردن في مجالات أخرى .ومن المهم الإشارة هنا أن الوضع الخاص للأردن في القدس هو نص اتفاقي بين الأردن وإسرائيل بموجب اتفاقية وادي عربة وبغض النظر عن موقفنا من هذه الاتفاقية فإن التمسك بنصوصها بهذا الخصوص مهم للدفاع عن الوصاية الهاشمية في القدس ومصالح الأردن العليا، فرغم التفوق العسكري والسياسي لإسرائيل، فلا أعتقد أنه توجد حكومة اسرائيلية تتحمل عبء إلغاء اتفاقية سلام مبرمة بينها وبين إحدى الدول العربية وخاصة الأردن.
الأمر الأخير الذي نبه له جلالة الملك مرارا وتكرارا هو أهمية متانة الجبهة الداخلية في هذا الوقت، وضرورة أن نفوت الفرصة على أي طرف داخلي أو خارجي يدبر للأردن في ليل من أن يستغل الوضع الاقتصادي الذي يمر به الأردن، وهذا أمر جلل يوجب على كافة القوى السياسية والفاعلة في الأردن العمل على رص الجبهة الداخلية وتمتينها، وهنا تأتي ضرورة ان تتنبه الحكومة أكثر من أي وقت مضى الى ضرورة الإسراع في إجراءات سريعة وفاعلة لمواجهة الحالات الحرجة في الاقتصاد وأهمها توفير فرص عمل، كما أن الأردن ينتظر من القطاع الخاص رغم كل الظروف التي يمر بها أن يرتفع لمستوى مسؤولياته الوطنية وأن يساهم ما استطاع في توفير فرص العمل للشباب الأردنيين وأن يتصرف بالوطنية وبالوعي السياسي اللازمين للمساهمة في الحفاظ على الأردن ومصالحه العليا وعلى تفويت الفرصة على من يتصور أنه من الممكن تجاوز الأردن والافتئات على شعبه ومصالحه. كما من الضروري أيضاً ان يوازي ذلك حملة تقشف شاملة للدولة والحكومة وضبط النفقات وترشيد الاستهلاك وهذا أمر مهم لتكريس مفهوم أن دعم الأردن والوقوف معه اقتصاديا وسياسيا هي مهمة كل واحد منا؛ المسؤول قبل المواطن، وان التضحيات لا تطلب فقط من المواطنين المطحونين بل تطلب أيضاً من المسؤولين قبلهم.
من يدرس تاريخ الأردن، يعرف أن هذا بلد عصي على الكسر وأنه رغم جميع الصراعات والصعوبات التي مر ويمر بها فقد نجح دائماً في تجاوزها، وهو أمر يزيد من مسؤوليتنا الوطنية في أن نضع خلافاتنا جانباً، وأن نرص الصفوف في حملة وطنية سياسية واعية لدعم الأردن والحفاظ على وطننا وهويتنا، وهذا يحتاج الى برنامج وطني شعبي حكومي يجعل نصرة الوطن عملاً شعبياً سياسياً مؤسسياً ضمن خطوات عملية تضمن مصالح الأردن العليا، والله والوطن من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock