أفكار ومواقف

قطر تنجح

د. عاصم منصور

وأخيرا انطلق قطار كأس العالم من قطر، وسجلت الدولة الصغيرة الحجم، والمحدودة السكان نجاحا باهرا حتى الآن في تنظيم وإدارة أكبر تظاهرة رياضية على المستوى العالمي، تتسابق البلدان المتقدمة في الحصول على شرف تنظيمها، وتتبارز في تسجيل النجاحات في إدارتها.

لم تكن مسيرة قطر نحو إنجاز هذا المشروع محفوفة بالورود، بل مذللة بالموازنة الهائلة التي خصصتها الدولة الغنية بالغاز، فقد واجهت قطر مصاعب وعقبات جمة، وتحديات غير متوقعة، تطلبت أن تشحذ الدولة الفتية كل ما تمكنت من توفيره من موارد وعلاقات للوصول إلى هذه الصورة التي ظهرت عليها في العشرين من تشرين الثاني والذي سيبقى يوما تاريخيا في تاريخ قطر.

إن ما يجعل النجاح قطريا -مهما بلغت مساهمة الشركات والمؤسسات والعقول المتعاقدة فيه- هو إصرار قطر على إبراز هويتها وثقافتها وقيمها في هذا الحدث. فما استطعنا ان نستشفه من المساجلات والتصريحات أن قطر لم تكتف بالدفاع عن الجوانب الأساسية، والحدود الضرورية من الهوية العربية والإسلامية، بل سعت إلى توظيف الحدث ثقافيا قدر الإمكان لإظهار الهوية الحضارية لقطر، فقد لمس الزائر للبطولة، والمشاهد لها عن بعد أن هذا الحدث ينظم في دولة خليجية عربية مسلمة.

وشأني شأن الكثيرين، لم أكن أحسب أن تنظيم دولة عربية أو مسلمة لهذا الحدث -الذي يهدف إلى التقريب بين الشعوب والحضارات- سيواجه بهذا القدر من الاستهداف والهجوم من صحف وقنوات ومنظمات مؤثرة تابعة لدول غربية وأوروبية عديدة، فقد رأينا فجأة انتقادات واسعة لحقوق الإنسان في قطر، بحيث تساءل الكثيرون فيما إذا كانت المقصودة هي دولة قطر تلك التي نعرفها.

لم يبرز اسم قطر في تقارير حقوق الإنسان عبر العقود السابقة، ولم يشر إليها إلا لماما، ولكن خلال السنوات القليلة الماضية ضجت وسائل إعلام ذات وزن ثقيل بالادعاء بأن “عدداً كبيرا من العمال الأجانب توفوا بسبب أوضاع عملهم الشاقة” دون أن تقدم ما يثبت ذلك، بل وخصصت واحدة من أكبر المؤسسات الإعلامية في أوروبا مساحات واسعة لحقوق الإنسان القطري، واستهلت تقريرها عن قرب افتتاح الحدث العالمي بقولها “انصب التركيز على حقوق الإنسان في قطر وهي تستعد لاستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم التي تنطلق يوم الأحد 22 نوفمير”. ولم تتخلف منظمة “هيومن رايتس ووتش أيضا عن الإدلاء بدلائها في انتقاد حقوق الإنسان في قطر.

لا يمكنني الزعم بأن الأمور في قطر مثالية، أو انها فوق الانتقاد، ولكن حين نتذكر كيف عوملت الدول الأخرى التي نظمت ذات البطولة وآخرها روسيا الاتحادية، لا يمكننا أن نغمض أعيننا عن الاستهداف المقصود وغير المسوغ لقطر، بل ونكون جزءا من الحملات الشعبية العربية، التي تضامنت مع قطر منذ سنوات.

وقد واجهت الإدارة القطرية هذه الحملات بهدوء وثبات وثقة -تسجل لهم-، فقد أعلنت السلطات القطرية ابتداء “أنها تؤكد ترحيبها بجميع مشجعي كرة القدم خلال البطولة، لكنها تؤكد أيضا على أنه يتعين على الزوار احترام ثقافة البلاد” ثم أتبعتها بعنوان آخر أنها “ ترفض كل ما من شأنه أن يخل بالحياء العام” وطبقت ذلك بطريقة عملية مرنة ولكن ثابتة، حيث وجه أمير قطر “الاتهام لمنتقدي بلاده بازدواجية المعايير والتلفيق”.

ومع كل يوم من عمر المونديال، يستمتع فيه المشجعون والجماهير بالمباريات دون وقائع ولا أحداث، تحقق دولة قطر مكاسب جديدة في تطويرها قوتها الناعمة، ويظل في الأذهان أن دولة عربية ومسلمة استضافت هذا الحدث في عام 2022.

المقال السابق للكاتب 

شاعر الإسلام الثائر

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock