أفكار ومواقف

قطر.. كلام عن الغرب

سائد كراجة

تنمر الغرب على قطر مستفز، بل هو مستنكر وكاشف حقيقي عن قيم الغرب ومعاييره المزدوجة في التعامل مع الآخر، وخاصة مع العالم العربي والإسلامي، والواقع أن فكر الغرب الذي كرس عند تأسيس عصبة الأمم مفهوم الانتداب أي «الوصاية» على الشعوب العربية والإسلامية والذي تضمن فوقية الشعوب والحضارة الغربية على بقية شعوب العالم ما يزال حاضرا في العقلية السياسية والاقتصادية الغربية، فإذا كانت عصبة الأمم أجازت أن شعوب المنطقة متخلفة تحتاج إلى وصاية وانتداب فإنها نفسها أجازت مفهوم «الدول العظمى» عند تأسيس الأمم المتحدة تلك الدول التي أباحت لنفسها تقرير سياسة العالم الخارجية عبر نظام الفيتو، وبمثل هذه الفوقية والفيتو شرعنت اجتياح دول مثل العراق وسورية وأجازت وبررت انتهاكات إسرائيل اليومية لحقوق الإنسان في فلسطين.

تصوروا أن هذا الغرب الذي وصل القمر واخترع الكمبيوتر والطائرة والهاتف النقال والطب والدواء ومعظم مجتمعه علماني إن لم يكن ملحدا هو ذاته من يدعم إسرائيل على خلفية خرافة دينية بوعد الله المزعوم لشعب إسرائيل !، تصوروا أن هذا الغرب يسكت ويشارك في تزوير الحقائق تبريرا لغزو العراق وتدميره وتشريد شعبه ثم يحاسب الشعوب في تقارير سنوية صادرة عن مؤسسات دولية يصنف فيها الأشخاص والدول في قوائم الإرهاب ؟

لنا تحفظاتنا على الدول العربية عموما ودول الخليج خصوصا، ولكن لا نعتقد أن مسطرة الحق والعدل وحقوق الإنسان والمجتمعات مرجعيتها الغرب، ولا نعتقد أن سلوك الغرب الفردي والجماعي يصلح أن يكون مسطرة لهذه الحقوق والحريات، وأنا شخصيا مع الحريات والخيارات الفردية وأؤمن بحق الفرد باختيار حياته وشكلها وهويته ومضمونها، وأعتقد أن هذا المنطق ينسجم مع الفطرة الإنسانية ومع كثير من القيم الدينية والاجتماعية ولكن أعتقد أيضا أن اختيار الفرد وموقفه من الحرية والتحرر هو أيضا من حقوق الإنسان وأن سلوك الآخر حق له وإن اختلف عما نعتقد أنه الصواب والحق.

إن الغرب الذي يؤمن أن جسد المرأة هو خيارها وأن لها حتى أن تتاجر به في الدعارة في شوارع حمراء في مدن غربية مشهورة، لا يجوز له أن ينكر على امرأة قرارها بأن تتحجب ولا أن يعتقد أن هذا مصدر تخلف فيها أو في عقلها، أو أن يفترض أنها مجبرة عليه، وإلا يكون ذلك ممارسة للاضطهاد وإنكار الحرية الفردية للآخرين.

المثلية معروفة لدينا كما هي معروفة لديهم لا بل إنها تمارس في كثير من الدول العربية والخليجية منذ زمن بعيد وبشكل مسالم نوعا ما، ولكن حتى هذه الخيارات لا يفترض أنها يجب أن تمارس على النحو الذي يعتقده الغرب الصواب والصحيح! وأن على العالم أن ينتفض ويقبل بزواج المثليين فقط لأن الغرب قرر أن هذا صحيح وينسجم مع فهمه وممارسته للحريات.

تنظيم قطر لمباريات كأس العالم مؤشر على نهج جديد في دول الخليج، بدأته الإمارات وخصوصا دبي وهو استخدام الثروة في تطوير البنى التحتية، وبالحديث عن الإمارات فإنها نموذج محترم لإدارة المعتقدات والخيارات الشخصية منذ التسعينيات وهي دولة ذات طابع إسلامي ولكنها استطاعت أن تدير التنوع والاختلاف لحد بعيد، كما أن التحول الثقافي والاجتماعي في السعودية مذهل ! حتى أن بلدنا الأردن والذي كان يبدو أكثر تنوعا من السعودية صار وراءها في كثير من المجالات !

خلاصة القول أننا مع الحريات والخيارات الفردية ولكننا أيضا مع التطور العضوي الذاتي لهذه الحريات والحقوق ومع حق الشعوب ليس فقط في تقرير حق المصير السياسي والاقتصادي بل أيضا مع حقها في تقرير المصير الثقافي والاجتماعي، فمن حق الشعوب أن تمتلك تجربتها الذاتية، فالدول التي توقفت حديثا عن الفصل العنصري بين السود والبيض في الحافلات والمرافق العامة، وقتل المثليين حرقا، وقبول انتهاكات حقوق الفلسطينيين يوميا، ليست بالضرورة مؤهلة لتكون رقيبة على تجربة الشعوب وتطورها الذاتي، وليست بالضرورة مسطرة ولا مقياسا لهذه الحقوق والحريات، إن معركتنا لأجل نيل الحقوق والحريات في مجتمعاتنا هي معركة وجود ومعركة تطور ثقافي واجتماعي واقتصادي، وليست معركة نقل أو اقتباس تجارب دون تجذيرها بين ظهراني ثقافتنا التي نقبلها أو تلك التي نسعى لتطويرها.

لقد آن الأوان لنخوض معاركنا الداخلية لتكريس الحرية الفردية والجماعية وحقوق الإنسان سندا لمعايير نطورها ذاتيا وموضوعيا في عملية بناء وهدم داخلية بعيدة عن تدخل الآخرين وفي هذا تطور نوعي وكمي وطني ذاتي أصيل، وحتى إن تراخى تكريس هذ الحقوق والحريات في التجلي على أرض الواقع، أنت فاهم علي جنابك !

المقال السابق للكاتب 

سردية الأردن الحديث..

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock