ثقافة

“قفص ناعم”.. مجموعة قصصية للباحث زهير فريد

عزيزة علي

عمان– صدر للباحث الأكاديمي الفلسطيني زهير فريد مبارك كتاب بعنوان “قفص ناعم-ومضات قصصية وشذرات”، عن الرعاة للدراسات والنشر-فلسطين، وهي مجموعة قصصية نثرية تتضمن نصوص وومضات قصصية.
من ضمن هذه النصوص والشذرات لهذه المجموعة نص بعنوان “آخر المقاتلين” يقول فيه “مروا على أجسادنا وما مروا/ اعطونا قلوبهم ومروا/ اعطونا حفنة من كرامة ومروا/ ذاقوا المر وما مروا/ هزلت أجسادهم وما مروا/ كبرت هاماتهم ومروا/ علمونا معنى الوطن فيهم ومروا/ مروا في زمن سرمدي نثروا فينا الروح ومروا”.
يقول مبارك إن محاولة الكتابة بعد سنين عجاف هي أشبه بدخول الروح للعقل لتجده مليئا بالغبار والأتربة والمواد المتكلسة، ولذلك يحتاج الكاتب إلى إعادة تأهيل وتنظيف، فقد ينتاب المرء رعبا من فقدانه للرشاقة الذهنية، مبينا أن الكتابة “كائن”، حنون لا يجافي حتى لو ترك إلى حين، فالكتابة نهج حياة وليست مجرد ترف أو تنفيس أو تحقيق ذات. وهي حالة من التكامل ما بين القراءة كمادة خام، والكتابة كمنتوج، وهي صناعة جودتها من كينونتها، والهدف منها أن تكتب، بمعنى ألا تلتفت إلا لذاتك بذاتك فقط، وإلا لن تكتب حرفا: لأنك سترى كل شيء معوجا.
يتابع المؤلف “أنا لا أصنع المعرفة أنا أحفر في المعرفة، فقط أحاول إنتاج المعرفة، وليس مجرد البحث عنها في القوالب الجاهزة، برشاقة ذهنية، لافتا لما قاله الكاتب الفلسطيني الراحل “حسين البرغوثي”، عن المعرفة قائلا “كمتدرب على الرقص الروحي بتمرد على الكهف ومن فيه: لأتعلم من ذاتي وأنثرها في الفضاء المعرفي، لتحط على أرض كلها خصب وحياة”، هذه البذور الفكرية/ الأدبية ما هي إلا نتاج لهذه الحفرية المعرفية، أضعها بين يدي القارئ وهذه حدودها لا أمتلك مواعظ لأنثرها فوق رؤوس العباد. وأنا على يقين أن الكتابة التي لا تثير الجدل بعد أن تنتهي منها، ما عليك إلا أن تضعها في سلة المهملات لأن صلاحيتها تكون منتهية قبل أن تكتب أصلا.
القاص الفلسطيني زياد خداش يشير في كلمة على غلاف المجموعة إلى أن هذه النصوص تتقاسمها نزعتان، هما الرغبة الكبيرة في الدفاع عن الحق والعدالة وفضح القبح في العالم، والأخرى التوغل داخل المشهد درامياً بحثاً عن الجمال الفني واكتشاف أبعاد جديدة للأشياء العادية، مشيرا إلى معرفته الشخصية بالمؤلف الذي تتميز كتاباته بقوة الترابط بين جمال الصورة وعمق دلالتها الأدبية، وبين بساطة لغتها، فكل كلمة في هذه النصوص كتبت بصدق شديد وحساسية عالية.
ويرى خداش أنه ثمة تطابق واضح بين حياة ومشاعر ومواقف مبارك، وبين النصوص المليئة بالقتال ضد الخراب والكذب وفساد الروح والزيف والفلاح المثقف ابن جامعة بير زيبت، والذي يعمل مسؤولا عن قسم الامتحانات في مديرية التربية والتعليم/ رام الله، واكتشف أن الامتحان الأكبر في الوجود هو في الصبر بانتظار قطرة ماء وسط برية مظلمة، فقرر أن مواجهة العالم تكون عبر هذا الامتحان الكبير الذي وضعت أسئلته الحزينة عدالة العالم الضائعة، بهذا الامتحان / الكتابة يواصل زهير حفره الممتع بحثا عن قطرة عدالة في أعماق عتمة الصحراء؟”.
د. محمد زياد يرى في مقدمته أن مبارك في هذه النصوص يحاول صنع حفرية في المعرفة على نحو خاص، من الومضات القصصية والشذرات ربما بعضها لا يتجاوز سطرا واحد، فهو يحاول أن يستثير في هذه الشذرات القارئ على مجموعة من التساؤلات التي لا يحاول من خلالها الحصول على إجابة. أو تقديم إجابة، وإنما يسعى من خلال هذه التساؤلات والأفكار النقدية المطروحة بلغة بسيطة، فصحى غالبا، محكية أحيانا أخرى أن يرسل رسالة معينة يريدها أن تصل وجهتها.
وينوه زياد إلى أن هذه الأفكار كأنها تعبر عن إحساس ما: يتحرك في نفس المؤلف، ويشكل ضغطا عليه، فيحاول أن يعبر عنه من خلال هذه الومضات، ولكن التساؤل هو ميزة ربما يشترك فيها كثير من الناس، ولكن كثيرا منهم يقنع وبما يقدم له من أجوبة جاهزة، وقسم قليل يجد فيما يقدم إليه من قضايا جاهزة، موضوعا لتساؤلات هي الأساس لبناء معارف جديدة، ولذلك لابد من أن تسكن نفوسنا وعقولنا وهذا ما حاول مبارك أن يثيره فينا.
ويعتبر زياد أن هذه الومضات جاءت بأسلوب مكثف ومختصر، ما جعلها نصوصا إشكالية في بعض الأحيان لما تتمتع به من غموض، وهي ومضات، كتبت بأسلوب القصصية والشذرات، أشبه بمحطات على الطريق يقف المسافر، عندها يأخذ قسطا من الراحة، ويجدد به نشاطه، ويشحذ عزيمته، ثم ينطلق لمتابعة الطريق، وربما بعض المحطات تغادرها دون رجعة، ولكن بعضها يدعوك لتعود إليها مرة أخرى، وأما البعض الآخر، فيسكن في النفس، فلا يستطيع الإنسان منه فكاكا وتصبح جزءا من حياته.
ويذكر أن زهير فريد مبارك أكاديمي وباحث فلسطيني مهتم بتاريخ الأفكار السياسية ونقد نظريات علم الآثار التوراتي، صدر له كتاب بعنوان “أصول الاستبداد العربي”، دراسة “الديمقراطية بين الفكر والفعل” مجلة جامعة القدس المفتوحة للدراسات والأبحاث.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock