أفكار ومواقف

قلادة والدها في صندوق مهند

استغربتُ قليلاً البهجة التي سرت في وسائل إعلام محلية فلسطينية إثر انتشار صورة صليب ذهبي تبرعت به طالبة من جامعة بيرزيت، ضمن حملة إعادة إعمار بيوت الشهداء؛ بدءا من مهند الحلبي، أول شهداء الهبة الحالية. وبيت مهند ليس بعيداً عن الجامعة، مع أنّه كان من طلبة جامعة القدس، في أبو ديس، شرقي القدس.
عندما ذهب مهند الحلبي، الذي يقول من حوله إنّه كان من الذراع الطلابية لحركة “الجهاد” الإسلامي، لتنفيذ عمليته في القدس القديمة، مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، كان قراره نتاج عوامل عدة. كان يتحدث عن بلدته الأصلية “يافا”، وتوقه أن يعيش هناك، متحدثا عن “جمال هناك” كأنه عاشها. كان سكنه في سردا في رام الله حيث يكفي أن نرى في الأيام الصافية بحر يافا البعيد. هو البحر التي يضخ الأدرنالين في عروقنا في بيرزيت، عندما نراه في أيام صيف صافية، ونتسابق لتصويره. وكان قراره وليد مقته مشهد الاعتداء على المرابطات في المسجد الأقصى، وكان قراره بعد أن قتلوا زميله وصديقه في الجامعة ضياء التلاحمة.
عندما استشهد، وخرج جثمانه من مسجد جمال عبدالناصر في البيرة، كان صدى صرخة فعلته، مع كل هدوئه الشديد، مدويّاً؛ فالجموع البشرية جعلت سياسياً يعلّق: “بدأت الانتفاضة الثالثة”، وجعلت صحفية تقول: “يا إلهي كم سيتبع مهند” حتى نصل هناك؟!
أطلق مهند الانتفاضة الثالثة.
الآن في دوار الساعة في رام الله، أو بحسب التسمية الرسمية دوار ياسر عرفات، صندوق زجاجي لجمع التبرعات، يقف عنده عمداء وجنرالات الأسرى السابقين الذين دخلوا المعتقل قبل سنوات طويلة من ميلاد مهند، يجمعون التبرعات، لمدة أسبوع. وعاد نبض الثورة في عروقهم بعد كل الإحباط، وعاد الدفق الثوري في العروق وهم يرون استجابة الناس.
وقريباً من مواكب زفاف طلبة الجامعة ابتهاجا بنجاحهم في تقديم مشاريع تخرجهم، وهو تقليد تعرفه الجامعة، ويزعج كثيرا من الأساتذة، لأنّه قد يعني ضغطا معنويا عليهم لتنجيح الطالب الذي استعد وزملاؤه وأهله للاحتفال قبل الامتحان، ولكن لا بد أن يبتسم الأستاذ وهو يرى طالبه يفرح، ثم وهو يسمع أغاني طلبته لقمر الوطن الذي “بضوي الكرة الأرضية”؛ قريباً من المواكب، وبعد يومين من انتهاك جنود الاحتلال لحرم الجامعة، وغير بعيد عن لوحة أسماء شهداء الجامعة، كان طلبة بيرزيت يساندون زميلهم من جامعة القدس بصندوق التبرعات.
استغرابي الابتهاج ربما لأنّ وحدة الفلسطيني هنا أمر مسلمٌ به، ربما يمكن لشخص قلق أن يبتسم قليلاً وهو يرى أنّ الوحدة الوطنية لم يمسها زمن “داعش” والطائفيات، ولكن الأمر لا يصل حد الابتهاج. ليس بعيدا عن صندوق التبرعات، ما تزال شجرة عيد الميلاد التي يضعها الطلبة كل عام موجودة، عليها صورة ياسر عرفات، وأحمد ياسين، وفتحي الشقاقي، وجورج حبش، وأبو علي مصطفى، والشهداء من كل التيارات. وتبرع فتيات بحلّيهن وخواتمهن في المناسبات الوطنية والقومية ليس بالجديد، تفعله البنات والسيدات دائماً.
ولكن الأمر يأخذ منحى آخر، عندما تتحدث الفتاة، لراديو بيت لحم، شريطة عدم ذكر اسمها، فلا يكون الأمر فقط أنّ بنت بيت لحم المسيحية (جنوبا) تبرعت في بيرزيت (شمالا) لابن جامعة القدس (وسطاً)، ابن الجهاد (الإسلامي)، ابن يافا (غرباً)، الذي شُيع من مسجد عبدالناصر (القومي العروبي المصري)، وحسب، بل تخبرنا: بحثتُ في حقيبتي فلم أجد سوى 33 شيكلا، بالكاد تكفي لطريق العودة، ولم أجد سوى القلادة التي أهداني إياها أبي قبل وفاته، في يوم عيد ميلادي؛ “صحيح الصليب غالي علي لأنه هدية من أبوي الله يرحمه، بس مش رح يغلى على البطل مهند وعائلته”. وتتابع: “لأنه كتير غالي على قلبي، قررت أصوره حتى تضل صورته الذكرى الوحيدة عندي”.
لا ينتهي الأمر هنا، إذ تقول للراديو “وبالنسبة إلي.. مثل ما المسيح أول شهيد فلسطيني.. أكيد السنسال الذهب الصليب راح يكون بغلاوة بيت الشهيد”.
بجنازته بدأت الانتفاضة الثالثة. وبعد هدم بيته وانتفاضة جنرالات الأسرى وطلبة الجامعات، مع دبكتهم، وفرحهم، وحجرهم، وسواعدهم، ونبضهم، وتشكيل لجان العمل الشعبي، انطلقت المرحلة الثانية من الانتفاضة الثالثة.

تعليق واحد

  1. أبكيتني
    قي الوقت الذي يذبح فيه العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه بالعنف والطائفية والتفرقة، يضرب الشعب الفلسطيني كما كان دائما أروع الأمثلة على تماسكه وقوته وتفوقه على قيادته.. هذا شعب جورج حبش وأحمد ياسي وخليل الوزير، هذا شعب فلسطين، شعب لا تهتدي بوصلته إلا إلى الوطن مهما خذلته قيادته ومهما انقسمت، يبقى هو يعلمها دروسا في الحب والوطنية.
    هنيئا لفلسطين شعبها الذي سيبقى ثائرا منتفضا ذاكرا، وهنيئا لها كتابها أمثالك الذين يلتقطون من جمالها أحلى وأنقى وأنبل ما فيه

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock