أفكار ومواقف

قلقون على البلد؟

حسين الرواشدة

يتفرغ بعض المسؤولين، إذ يتقاعدون أو يجلسون على مقاعد الانتظار، لكتابة مذكراتهم السياسية، أو توجيه انتقاداتهم للوضع القائم، أو توزيع النصائح والوصايا على أقرانهم الحاليين والجمهور، لا يخطر ببالهم أبدا أن يعترفوا بأخطائهم، وأنهم جزء من هذا الخراب الذي وصلنا إليه، ويتعمدون، حتى في عز حردهم، أن يتحدثوا “بالمواربة”، لكيلا يقطعوا حبالهم مع أي فرصة قادمة، تعيدهم لامتطاء مراكب الغنيمة، التي ما يزال مذاقها عالقا فوق شفاههم.

هذا العام كان حافلا بإشهار المذكرات السياسية، أعترف أنني استغرقت وقتا طويلا بقراءة بعضها، وحين انتهيت لم أجد ما يستحق أن أقدمه للقارئ الكريم، فهي تتحدث عن كل شيء إلا عن الأردنيين البعيدين عن عيون هؤلاء، وعن اهتمامهم أيضا، تتحدث عن إنجازات أصحابها وبطولاتهم، وعن الدولة التي يعتقدون أنها دولتهم، وأحداث سكان الطوابق العلوية التي كان لهم نصيب السكن فيها ذات زمان، وعن الآخرين الذين شاركوا معهم باقتسام “الكعكة”، ثم اختلفوا عليها.

هذا الشهر، أيضا، كان مزدحما بالتصريحات السياسية الساخنة، أقصد الوجبات السريعة التي يتفنن البعض بتغليفها وإيصالها ” دليفري” للأردنيين، ثمة وجبة من القلق على الأردن مما هو قائم وقادم، ترى، ما الجديد فيها سوى أنها اعترافات متأخرة من مسؤولين ما يزال بعضهم على قيد المسؤولية؟ منذ سنوات طويلة والناس تردد ذلك ولا أحد يسمع، الآن يجب أن نصارحكم: القلق ليس اقتصاديا فقط ، وإنما قلق وطني شامل، يتعلق بكل ما فعلتموه، منذ أن توليتم إدارة شأننا العام، وأغمضتم عيونكم عن الأخطاء، وأنين الناس وأوجاعهم.

وجبة أخرى مضاف لها كثير من “البهارات” السياسية، تحذرنا من أن الوطن هائم على وجهه بلا بوصلة، وأن من حق جيلنا (جيلهم) أن يقلق، لأننا نعاني من حركة تنذر بانقطاع التيار، شكرا، هذا صحيح، لكن لمن يجب أن يقال ذلك؟ ومن يتحمل مسؤوليته؟ الأردنيون الذين عضوا على جراحهم كرمى لاستقرار البلد وأمنه أم الذين أقسموا على خدمتهم، ثم تنكروا لهم، والآن يتبرؤون مما كان لهم ، ولغيرهم نصيب من المشاركة فيه؟

وجبة ثالثة يبدو أنها شعبية، تعيدنا للتاريخ بما حفل به من سير الآباء والأجداد، وبطولات التضحية والفداء، كما وتذكر الأردنيين بتضحيات آبائهم التي لا يتحدث عنها أحد، المقاربة بين الصورتين صادمة من حيث النتائج، يا سادة: الأردنيون يعرفون تاريخهم وتاريخ بلدهم، ويأنفون الدخول إلى سوق المزايدات والاستعراضات، حيث يريد البعض أن يبيع لهم الماء في “سقف السيل”.

لا يجوز لأحد أن يمن على الوطن بما أعطاه، المهم أن نخلص له بحق، وأن نرد التحية على أبنائه بأفضل منها، يكون ذلك حين نضعهم أمام موازين العدالة والمساواة، ولا نأخذهم بجريرة أفكارهم أو أخطائهم الصغيرة، أما سير الآباء والأجداد فلا تبدد القلق، ولا تدفع ما حل بنا من بلاء.

لدي وجبات أخرى، لا تختلف، بطعمها، عما ذكرت سلفا، لكن الأردنيين، في تقديري، شبعوا مما قدم لهم، على مدى السنوات الماضية، من وجبات سياسية، جاهزة أو طازجة، صحية أو مغشوشة، ولم يعودوا يثقون بطهاتها، ولا مروجيها، وليس لديهم أي رغبة بارتياد المطاعم التي تقدمها.

الأردنيون يريدون، فقط، وجبة ” وطنية” واحدة، يصنعونها بأنفسهم، ومن خيراتهم وخبراتهم، يتولاها مخلصون لبلدهم، وجبة تعيد الأردن للسكة الصحيحة، وتضمن له العافية، وتبدد من أمامه ما تراكم من غبار، أعمانا عن الرؤية والاستبصار.

المقال السابق للكاتب

لماذا الحل في “تل أبيب”؟

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock