أفكار ومواقف

قمة الرجولة…

د.لانا مامكغ

دخلَ البيتَ وهو يشعرُ برأسِه يغلي من الحرِّ والازدحامِ والقهر … خاصّةً من مديرِه الذي لا يعرفُ من فنِّ الإدارة سوى الصّوتِ العالي!

كانتْ هي في المطبخ تضيفُ اللّمساتِ الأخيرةَ لوجبة «المقلوبة» التي أعدّتها بناءً على طلبه، حيّاها باقتضاب ليسألَ عن السَّلطة… فأجابتْ بصوتٍ منهك: «حضّرتُ سلطةَ لبن بخيار، فلا وقتَ لدي لغسلِ الخضار وفرمِها الآن، عندي اجتماع بعد ساعة!»

أدارَ ظهرَه لها وهو يُغمغم: «آه اجتماع مجلس الأمن… أظنُّ أنَّ رغباتِ زوجكِ أهمُّ من اجتماعاتك، كلُّ ما طلبته طبق سلطة… مش تصنيع صاروخ!» ثمَّ دخل الحمّام بعد أن صفقَ البابَ وراءه… ولمّا خرجَ أخبرته وهي تحاولُ السّيطرةَ على انفعالِها أنّها أخذت مغادرة حتّى تعودَ وتطهو ما أراد، وأنَّ اجتماعَها أهمّ ممّا يتصوّر، وأنَّ لا داعي للسّخرية، ولتذكيرِها بواجباتها تجاهه، وتجاه بيتها، لتضيف: «لكنَّ رضاكَ غايةٌ لا تُدرك مهما فعلت!» ردَّ عليها بحدّة، فارتفعَ صوتُها في محاولةٍ للدّفاعِ عن نفسِها لتجدَه يصرخ: «هذا أنا، وإذا الوضعُ لا يناسبك، فالباب …» ورفعتْ يدَها وهي تقول: «لا تُكمل، أرجوك» وتناولتْ حقيبَتها وخرجت!

بقي واقفاً مكانه بذهول لمدّةٍ لم يعرفها، ثمَّ جلسَ ساهماً وصدرُه يعلو ويهبطُ بإيقاعٍ رتيب، هكذا حتّى قرّرَ الخروجَ بدورِه دون أنْ يعرفَ أين، وفي لحظةٍ لم يُخطّط لها، اتّصلَ بأحد الأصدقاء طالباً لقاءه لأمرٍ عاجل، جلسا في مقهى صغير، فسردَ له تفاصيلَ الِشّجار، فعلّق الصّديق: «اسمعْ يا صاحبي، بصراحة، رجولتُك على المِحك، إيّاك أن تُبادر للمصالحة، ما حدثَ هو بالون اختبار، إذا ضعفتَ هذه المرّة، فلن تقوم لك قائمة فيما بعد!»

قاطعَه بالقول: «لكنّي بالغتُ في غضبي… وتفوّهتُ بعباراتٍ قاسيةٍ مستفزّة» فأجابَ بسرعة: «أنتَ الرّجل، هذا حقّك الطّبيعي، يكفي أنّها رفعت صوتّها، بلا حكي فاضي يا أخي، اسألني أنا عن حركاتِ النّساء… ستعودُ وحدَها لتعتذر، المهم أنْ تتماسكَ، وتظلَّ رجلاً!»

ومرَّ اليوم الأوّل، والثّاني … وبدأ يتأمّلُ أشياءها الصّغيرة الموزّعة هنا وهناك، ويطيلُ النّظرَ بحزن في تفاصيلِ البيت الذي رتّبته بنفسها ذات زمن وهي في قمّة الفرح…

في اليوم الثّالث، جلسَ يُراجعُ رسائلَهما النّصيّة على هاتفه، ليُلاحظَ للمرّة الأولى أنّها تُنهي كلَّ رسالةٍ برسمِ قلب…
ثمَّ تذكّرَ ساعاتِ عملها الطّويلة، وكيف تصحو مبتسمةً رغم أعبائها اليوميّة، وكيف تغفو على ذراعه في بعض الأحيان من التّعب، وهي تُجبرُ نفسَها على مشاركته السّهرة…

في الصباح التّالي كان قد دخل محلاً لبيع الأزهار، واختارَ باقةً من ورودٍ حمراء… ورسمَ قلباً على بطاقةٍ أنيقة، ثمَّ أعطى الموظّفَ عنوانَ أهلها، وفيما كان يهمُّ بالمغادرة اتّصلّ به صديقُه إيّاه…

ولم يرد، ومشى وهو يهمسُ لنفسِه: «أيّها الصّديق، لديك ثقافةٌ رفيعة حولَ الرّجولةِ ومقوّماتها، لكنّي اليومَ إنسانٌ في حالةِ شوقٍ، وتوقٍ، وافتقادٍ… مخلوقٌ يحترقُ حنيناً، وحبّاً، وندماً!

ورغمَ أحاسيسي هذه… اعذرني إنْ شعرتُ أننّي في قمّة الرّجولة!

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock